استنساخ الباسيج الإيراني: كيف يحوّل الحوثيون المجتمع اليمني إلى معسكر حرب دائم؟!
معين برس- تحقيق:
كشف تحقيق استقصائي حديث لمنصة “ديفانس لاين” المتخصصة في الشؤون العسكرية والأمنية، عن ملامح أخطر مشروع تعبوي يديره الحوثيون في اليمن، يهدف إلى تأطير المجتمع بأسره عسكرياً وأيدلوجياً، في نسخة مستنسخة من تجربة “الباسيج” الإيراني.
التحقيق يوثق تفاصيل منظومة متكاملة تعمل على استقطاب الأطفال والشباب والنساء والموظفين، وتحويلهم إلى طاقات بشرية مجيشة تخدم مشروع الجماعة، في إطار خطة طويلة المدى تتجاوز حدود الصراع القائم إلى إعداد المجتمع لحروب “الفتح الموعود” كما يسميها زعيم الجماعة.
بحسب التحقيق، أعلن زعيم الحوثيين، في يوليو الماضي، أن أكثر من مليون و18 ألف شخص خضعوا لبرامج التعبئة والتدريب العسكري، متباهياً بقدرات بشرية “تفوق حجم القوات النظامية”.
هذا الرقم الصادم يعكس – وفق محللين – أن الجماعة لم تعد تعتمد على قوة عسكرية محدودة، بل تسعى إلى بناء جيش شعبي رديف، موازٍ للقوات المسلحة، يستمد شرعيته من خطاب أيدلوجي طائفي.
من “التعبئة العامة” إلى “طوفان الأقصى”
منذ اجتياح صنعاء عام 2014، أعلنت الجماعة حالة تعبئة شاملة بذريعة “التصدي للعدوان”، لكنها سرعان ما وجدت فرصة أكبر بعد أحداث السابع من أكتوبر، حين رفعت شعار “نصرة فلسطين”، لتفتتح معسكرات تدريب جديدة، وتستدرج الآلاف تحت لافتة “الجهاد المقدس”.
ووفق تحقيق “ديفانس لاين”، أنشأت الجماعة لجنة عليا مركزية للتعبئة والتحشيد، لها فروع في الوزارات والمؤسسات والمحافظات، تتلقى ميزانيات ضخمة وتعمل على إخضاع المجتمع لحالة استنفار دائمة.
مراحل التعبئة.. أيدلوجيا ثم سلاح
التحقيق يؤكد أن برامج التعبئة الحوثية تمر بمستويين رئيسيين:
- التلقين الأيدلوجي: عبر المراكز الصيفية والدورات الثقافية، حيث يتم إخضاع الأطفال والشباب لمناهج طائفية مغلقة تتضمن محاضرات زعيم الجماعة و”ملازم السيد”، بهدف غرس الولاء المطلق وتهيئة العقول لفكرة “العمل الجهادي”.
- التدريب العسكري: ويشمل أربع مراحل تبدأ باللياقة والتمارين الأساسية، مروراً باستخدام السلاح الخفيف والمتوسط، وصولاً إلى دورات قتالية تخصصية. ويتم تشكيل المتخرجين في كتائب وألوية محلية، بعضها يدمج في قوات وزارة الدفاع والداخلية، والبعض الآخر يظل كقوات احتياط أو مليشيات شعبية.
كما تمتد عملية التجنيد لتشمل النساء، عبر “الهيئة النسائية” و”الزينبيات”، في دور مزدوج أمني وفكري.
شبكة قيادات عائلية
يقف على رأس هذه المنظومة التعبوية عائلة الحمران المقربة من زعيم الجماعة:
عبدالرحيم الحمران رئيس “اللجنة المركزية للحشد والتعبئة”.
شقيقه قاسم الحمران مسؤول ملف غزة وقائد “ألوية الدعم والإسناد”.
أبناء وأقارب آخرون يتولون ملفات مالية وتنظيمية ونسوية.
وتضم اللجنة شخصيات أكاديمية ودينية موالية، مثل أحمد العرامي (رئيس جامعة البيضاء)، وصالح الخولاني (وكيل وزارة الأوقاف)، إضافة إلى قيادات ميدانية متهمة سابقاً بالإرهاب مثل أيمن الحيمي.
دولة داخل الدولة
التحقيق يشير إلى أن الحوثيين منحوا مشرفي التعبئة صلاحيات واسعة تتجاوز صلاحيات مسؤولي الدولة، حيث باتوا هم أصحاب القرار الفعلي في الوزارات، ويسيطرون على التدفقات المالية واللوجستية.
في وزارة الدفاع يقود اللواء ناصر مبخوت اللكومي دائرة التعبئة، وفي الداخلية يتولى اللواء علي سالم الصيفي ملف الحشد الأمني، بينما يدير وزير التربية الحوثي حسن الصعدي التعبئة في المدارس والجامعات.
أما على مستوى المحافظات، فلكل منطقة “مشرف تعبئة” بعهدة شخصية حوثية نافذة، لتتحول المحافظات إلى معسكرات مفتوحة للتجنيد والتلقين.
نسخة يمنية من “الباسيج” الإيراني
يرى خبراء أن النموذج الحوثي في التعبئة يتطابق مع تجربة الباسيج التي أنشأها الخميني عام 1979، كقوة شعبية غير نظامية استخدمت في الحرب الإيرانية العراقية لاقتحام حقول الألغام، ثم تحولت إلى أداة قمع داخلية.
التحقيق يخلص إلى أن الحوثيين يعملون على بناء نسخة يمنية مماثلة: جيش عقائدي موازٍ، يمارس السيطرة على المجتمع، ويضمن بقاء الجماعة كقوة مسلحة عقائدية عابرة للدولة والقوانين.



