بين حوالات المغتربين وتوابيت الحوثيين، بلد يعج بالمفارقات..

علي الفقيه

مذ كنا أطفالاً كنا نسمع اسم “يحيى ناصر” كمغترب في السعودية ونشاهد الثياب والقبعات البيضاء والبطانيات السميكة والناعمة “أبو تفاحة” عندما يعود من الغربة كل ثلاث إلي أربع سنوات.

كان يعود بملامح ولهجة مختلفة عن كل أهل القرية، تظهر عليه النعمة.
بعد عمر طويل في الغربة عاد وتزوج بنت خاله.

غادرنا نحن بعدها القرية ومن ثم البلاد بكلها وغابت أخباره كما غابت أخبار كثيرين، حتى أني لم أعلم أنه قد غادر الحياة.

اليوم كان أحدهم يرسل لي صورة أحد الضحايا الذين زج بهم الحوثي في محرقته المفتوحة مصحوباً برسالة نصية قصيرة يقول فيها “ابن يحيى ناصر قُتِل مع الحوثة”، وأضاف “التحق بأخيه الذي قتل مع الحوثيين قبل فترة”. سألته: أين أبوهم؟ هل لا يزال مغترباً في السعودية؟
رد علي صديقي: لا قد مات قبل حوالي ثلاث سنين.

حوالي أربعين عاماً قضاها يحيى ناصر في السعودية البلد الشقيق الجار يعمل ويعيش حتى صار يتكلم لهجتها وكل شيء في البيت قادم من المملكة، بينما تم تجنيد ولديه تحت لافتة محاربة السعودية “العدو”. انتهت الحكاية وهما لا يزالان في مطلع العشرينيات.

عبر سماسرة يعملون لصالحها في القرى الفقيرة والنائية، تستقطب الحوثية الفتيان صغاراً وتخضعهم لعملية غسيل دماغ عبر “الدورات الثقافية” و”التعبئة الجهادية” ثم تزج بهم إلى محارقها التي تلتهم أبناء اليمن كل يوم.
لا يزالون يموتون من أجل مشروع الولاية، لإشباع نزوة مجموعة من العائلات الهاشمية في احتكار الحكم. ذات المحنة التي يدفع الأبرياء ثمنها.
في ذات اليوم وفي ذات الجبهة، قالوا لهم إنها جبهة البرح، قتل شاب آخر يدعى “علاء الدين حميد السعيدي” بدا لي الإسم غريباً، ليس في منطقتنا عائلة بهذا اللقب، لكن أدركت أن الحوثة غيروا لقب العائلة وجهزوا له ملصقاً وأطلقوا عليه “القائد الجهادي الكبير الشهيد المجاهد”، مع أنه لم يكن يحتاج لكل هذه الألقاب كان يحتاج فقط لأن يكون مواطناً يعيش آمناً بين أسرته يتعلم ويعمل ويحب وينجب ويحقق نجاحات يستطيع في المستقبل أن يحكي لأحفاده عنها.

لكن الأخير في الحقيقة هو ابن صديقي القديم وزميل دراستي “حميد المجعارة” الذي كان دوماً الأول على الصف وكان بعدها خطيباً مفوهاً يحب الزعيم صالح حد التقديس وبعدها في مرحلة التحولات عمل خطيباً لصالح الحوثة ليُقتَل قبل سنوات على يد وله الأكبر الذي أفرغ خزنة بندقيته في رأسه وصدره إثر خلاف عائلي بسيط، بعد أن كان عائداً للتو من إحدى جبهات الحوثة.

كم كوارث وتفاصيل يمكن تدوينها ونقلها في عهد تنتج فيه الماكينة الحوثية كوارث ومآسي على مدار الساعة في بلدنا المنكوب.

منذ استأنفت الحوثية الحرب في جولتها الأخيرة قبل أسابيع بدأت النعوش تتطاير في كل صوب ومواكب التشييع تثير النقع في الطرقات الترابية تجوب القرى لتوزع التوابيت، بينما الزوامل وزخات الرصاص تدوي في الرجاء طالبة من الناس أن يحتفلوا بهذا المنجز!!

كيف لا تحتفلون وقد جاءتكم الفرصة العظيمة “لتستشهدوا تحت راية ابن النبي في مواجهة العدوان السعوصهيوأمريكي” ومعها درزن من المصطلحات الفخمة التي لا تفهمها أمهات وزوجات تتحطم قلوبهن بفقد أحبابهن وأطفال سيتجرعون مشاعر اليتم المبكر ويصارعون أهوال الحياة مكشوفين!!!

وعليهم أن يقتنعوا أيضاً أن السعودية التي تصلهم منها شهرياً حوالات أبنائهم المغتربين هي العدو. وأن إيران هي الصديق وأن يموتوا من أجل صرختها.
والأغرب من ذلك أن لدى الحوثة جهاز مختص بمتابعة المغتربين، ويخصصون مندوباً على مستوى كل عزلة مهمته متابعة تفاصيل عملهم وحياتهم وملاحقتهم لدفع جبايات تحت مسميات عدة.

ليجبر الله قلوب أمهات وزوجات وأطفال تحترق قلوبهم وهم يتهيأون لفقد أحبتهم ووحشة تملأ البيوت والقلوب.

  • من حساب الكاتب في فيسبوك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى