شرعيه الفنادق

ياسر بامطرف
يكفي أحياناً أن تُقال كلمة حق واحدة، حتى تبدأ إمبراطوريات الوهم بالاهتزاز، وتتحول الصالونات الفاخرة إلى غرف عمليات طوارئ.
هذا بالضبط ما أحدثته كلمات نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام، أحمد علي عبد الله صالح. لم تكن مجرد مداخلة سياسية أو موقف تنظيمي عابر، بل بدت كأنها «هزة سياسية» بلغت ارتداداتها أجنحة الفنادق الفاخرة، وأيقظت من سباتهم أولئك الذين اعتادوا إدارة شؤون الوطن من خلف أبواب الفنادق المغلقة.
وفجأة، تحولت أجواء الـ«ريتز» و«فوكو» و«البلازا» و«كراون» من جلسات الاسترخاء والبوفيهات المفتوحة إلى ما يشبه غرف عمليات سياسية؛ هواتف ترن، رسائل تتطاير، واجتماعات عاجلة تبحث عن تفسير للكارثة: كيف تجرأ أحدهم على تذكيرهم بأن الوطن ليس جناحاً فندقياً، وأن السياسة ليست خدمة غرف؟
الأكثر إثارة للسخرية أن مجرد الحديث عن العودة إلى الوطن بدا لبعض «رجال الدولة» وكأنه إعلان حالة طوارئ. فالمشكلة، كما يبدو، ليست في الوطن، بل في احتمال مغادرة الجناح المكيّف!
لقد اعتاد بعض محترفي السياسة الفندقية أن يقدموا أنفسهم باعتبارهم ممثلي الشعب، بينما لا يعرفون عن الشعب إلا ما يصلهم عبر شاشات الهواتف. يتحدثون عن المعاناة من ردهات فاخرة، وعن الميدان من خلف زجاج النوافذ، وعن السيادة الوطنية من غرف لا تُفتح أبوابها إلا ببطاقة إلكترونية.
ولهذا جاءت الدعوة إلى العودة إلى الأرض كاختبار بسيط لكنه شديد القسوة: هل أنتم رجال دولة فعلاً، أم مجرد نزلاء سياسيين يخشون انتهاء مدة الإقامة؟
لقد كشفت هذه الضجة أن بعض «العروش» التي شُيّدت من البيانات والتغريدات والظهور الإعلامي ليست أكثر صلابة من سرير في جناح فندقي. كلمة واحدة صادقة كانت كافية لتهزها، لأن الشرعية الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعين، ولا بعدد نجوم الفندق، ولا بعدد المؤتمرات التي تُعقد في قاعات مكيفة.
الوطن، ببساطة، ليس قاعة مؤتمرات.
والشعب ليس نزيلًا في فندق.
والسياسة ليست بوفيهًا مفتوحًا تختار منه ما يناسبك ثم تعود إلى جناحك.
أما من يرفع شعار الوطن صباحاً، ثم يخشى ترابه مساءً، فربما يحتاج إلى مراجعة تعريفه لمفهوم «النضال الوطني»… أو على الأقل إلى تمديد حجزه، ريثما يجد تفسيراً مقنعاً لسبب خوفه من العودة إلى وطنه!
لقد كان المشهد أشبه بـ«زلزال سياسي» صغير، لكنه كشف الكثير: هناك من يخاف على الوطن، وهناك من يخاف على الفندق.
والفرق بين الاثنين… أكبر بكثير من الفرق بين جناح فاخر ووطن كامل



