بين خطابين 12 عامًا من الكارثة والحرب
سعيد الجعفري
بين خطابه الأول وخطابه الأخير أول أمس 12 عامًا، وخلال هذه الفترة مرت اليمن بالكثير من الأحداث التي عصفت بالبلد نحو الهاوية، وأدخلت اليمن في نفق مظلم من الأزمات والمعاناة والفقر والمجاعة. 12 عامًا من الكارثة منذ سيطرت الميليشيات الحوثية على عاصمة اليمنيين صنعاء، وراحت تتوسع باتجاه بقية المدن بعد أن أسقطت مؤسسات الدولة ونهبت مواردها، وحلت المعاناة والكارثة في كل بيت يمني، وذهبت اليمن خلالها نحو الجحيم.
وقبل أول أمس، عاد من تسبب بالكارثة، زعيم جماعة الحوثي الإرهابية عبدالملك الحوثي في خطاب جديد، معيدًا التذكير بخطابه الأول المشؤوم قبل اثني عشر عامًا عن الجرعة الحكومية، وما قاله عن فساد الحكومة ومعاناة الشعب اليمني مع الفقر والجوع وتدني الرواتب التي قال يومها إنها لا تكفي احتياجات الموظف. ومنذ ذلك التاريخ الذي حلت به اللعنة على اليمن، وموظفو الدولة لم يعودوا يتقاضون الرواتب، وتحولت حياة الناس إلى جحيم لا يطاق، ولا تزال المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات الحوثية شاهدًا حيًا حتى اللحظة على ما اقترفته أيديهم بحق اليمنيين في مدن جعلت منها سجونًا كبيرة تضيق ذرعًا بساكنيها الذين يعيشون تحت خط الفقر والمجاعة، وانعدام الخدمات، ويواجهون البطش والقمع والتنكيل تحت سلطة الرعب التي فرضتها عليهم الميليشيات منذ أن وطئت أقدامها المدن اليمنية وأسقطت الدولة ونهبت كل شيء وأكلت الأخضر واليابس.
عاد عبدالملك الحوثي بعد 12 عامًا وكأن شيئًا لم يكن، عاد ليذرف دموع التماسيح على الشعب اليمني العزيز الذي تذكره الآن، ليس ليعلن اعتذاره عن الكارثة التي حلت باليمن، ولا عما تسبب به من معاناة وبؤس للموظفين الذين وعدهم برفع رواتبهم وإسقاط الجرعة فأسقطهم في المجاعة والجحيم وسرق رغيف العيش من أفواه الفقراء.
عاد بعد 12 عامًا ليس للاعتراف بالكارثة التي تسبب بها لليمن، ولكن في خطاب ليوقظ النار الخامدة في قلب كل أب فقد مصدر دخله، وأطفال باتوا ينامون جائعين، ونساء خرجن للشوارع بحثًا عما يسد رمق الجوع، خرجن للوقوف في طوابير الجمعيات وأمام أبواب المنازل المغلقة التي يقطنها الوافدون الجدد من قيادات الميليشيات الذين تاجروا بدماء اليمنيين.
ولا يعدنا إلا بالجراح والإهانات، والكرامات المهدورة على أرصفة الطرقات.
عاد عبدالملك الحوثي يكرر نفس الخطاب الذي قاله قبل 12 عامًا، لكن بعد خراب الديار، وجلس على التلة يتلو الخطب على أنقاض المنازل المدمرة، مكررًا نفس المفردات والكلمات والجمل التي سبق أن قال مثلها قبل 12 عامًا، وبنفس الطريقة وحدة الصوت الغاضبة والمتشنجة والمتباكية على ما وصل إليه حال الشعب من المجاعة، حيث قال: “إن بعض الأسر تضطر أن تأكل أوراق الشجر لأنها لا تجد ما تأكله”، دون أن يسأل نفسه من فعل بالناس كل ذلك، ومن المتسبب في وصولهم لهذا الحال.
لكنه عاد هذه المرة وعينه على الثروات النفطية، التي تسبب في توقف تصديرها بعد أن استهدف موانئ التصدير، حارمًا الدولة التي تواصل تسليم الرواتب وتقديم الخدمات بدعم سعودي.
عاد مثقوب الذاكرة في الحديث عمن يقول عنهم فاسدون ينهبون الثروات، متناسيًا أن جماعته نهبت كل شيء منذ ذلك الحين ولم تبقِ على شيء لليمنيين.
عاد بعد 12 عامًا في نفس الخطاب الذي خدع به البسطاء، معتقدًا أن الناس التي تعيش تحت وطأة الجحيم قد نسيت كل ما ارتكبه من جرائم بحق هذا الشعب، وظانًا أن كل الدماء التي زهقت بسبب حروبه العبثية ضد الشعب اليمني قد جفت.
عاد بعد كل ذلك كي يطلب من الضحايا والمخدوعين والمغلوبين على أمرهم المساندة في الذهاب بهم إلى معارك جديدة، والعودة إلى الحرب التي أصلًا لا يزال يمارسها، ولا يزال الكل يكتوي بنارها، ولا يوجد بيت إلا ولا يزال الصراخ ينبعث من بين جدرانه.
عاد هذه المرة ليأخذ ما تبقى من الأطفال والشباب الذين لم يموتوا في حروبه الأولى إلى جحيم آخر، عاد اللص كي يقول لهم: تعالوا معي كي أستعيد لكم الثروات التي قال عنها إنها منهوبة، وكأن 12 عامًا عاشها اليمنيون في الجحيم لا تكفي، وبدا وكأنه يعيش حالة انفصام حقيقية، وكأنه غير مدرك ما حل باليمنيين بسببه، وكأنه خلال هذه الفترة عاش الجميع بالرخاء الذي وعدهم به في الجنة المفقودة على وقع إسقاط الجرعة، فأسقطهم في جحيم جهنم.
عاد كي يقول لهم: هيّا بنا إلى حرب جديدة ضد الحكومة وضد المناطق التي تحررت وعادت إليها الحياة منذ ذلك الحين، وكأنه يقول لهم: تعالوا نعيدهم لنفس الجحيم الذي تعيشونه أنتم.
عاد ويعتقد أن هناك من لا يزال يصدقه.
عاد ليقول للجائعين الذين سرق الطعام من أفواههم: هيا بنا نذهب للحرب ضد البلد الجار والشقيق، بلدكم الثاني المملكة العربية السعودية، التي تأوي آباءكم وإخوانكم وأقاربكم الذين فروا من بطش الحوثي فوجدوا فيها الأمن والأمان والحياة الكريمة، والتي وقفت ولا تزال تقف إلى جانب اليمن في كل وقت وحين. المملكة العربية السعودية، التي تهدي اليمنيين الحياة، المملكة التي لم تغلق أبوابها يومًا في وجه اليمنيين، ولم تتوقف للحظة عن تقديم المساعدة والدعم والقيام بما يعتبرونه واجبًا تجاه إخوانهم اليمنيين. المملكة التي يصل خيرها إلى كل بيت في اليمن، والتي لولاها ما تبقى في هذا البلد شيء.
الحوثي يقول لليمنيين: هيا بنا نذهب للحرب معها، يا لها من سخافة!
ويريد من الشعب الذي تسانده المملكة، أن يستجيب لدعوته الشيطانية كي يخوض الحرب معها، يريد من اليمنيين أن يعضوا اليد التي امتدت لهم بالخير والحب والعطاء.
يريد من الشعب المسحوق بسبب حماقات وفساد جماعته التي نهبت الموارد وفرضت الحصار ورهنت البلد للمشروع الإيراني، كي يذهب بهم نحو الحرب باتجاه اليد الممدودة على الدوام للشعب اليمني، مملكة العروبة والإسلام، والتي لولا وقوفها إلى جانب الشعب اليمني ما تبقى شيء في البلد قابل للحياة.
المملكة محمية بفضل سواعد أبنائها المخلصين.
المملكة التي تزرع الخير وتنشر السلام في كل مكان، وتحفظ للإسلام أصوله وللعروبة مكانتها، وللبشرية إنسانيتها، لا تهزم أبدًا. المملكة التي تمد يدها لكل المحتاجين، وتحكمها القيادة الرشيدة، ويسودها العدل، وينعم بها كل القادمين بالعيش الكريم، والحر بالطبع لا يهزم، وقادرة على أن ترد كيد الماكرين وهزيمة وسحق قوى الشر.. المملكة صمتها حكمة، وتغاضيها وقار، وتجاهلها للإساءات قيم تعلمتها جيلًا بعد جيل، هي لا تغضب لكن الويل ثم الويل إذا غضبت.
ترى أي تراهات تلك التي يطلقها معتوه صعدة؟ وأي جنون أكثر من ذلك الجنون؟
لكنه عاد هذه المرة كي ينال جزاء كل ما اقترفته يده الآثمة الملطخة بدماء اليمنيين، عاد وقد حانت لحظة الحساب الذي لا مفر منه.



