من حزب الله إلى طهران… والقادم في صنعاء | قراءة في نتائج تدمير الدولة الوطنية لصالح الجماعة العقائدية

مصطفى محمود

سقوط الصف الأول في طهران في أول دقيقة من الضربة الأولى كان سقوطًا سريعًا أربك حتى خصوم النظام الإيراني، من وجهة نظري. لم يكن الأمر مجرد تفوق تقني أمريكي-إسرائيلي، ولا حكاية عملاء نائمين، ولا خللًا في منظومات الدفاع. الضربة كشفت شيئًا أقدم وأعمق: أن الدوله شكليه في ايران وان القرار الحقيقي لم يكن يسكن الدولة، بل يمرّ من حولها.على الورق،

هناك وزارات وجيش وبرلمان، لكن الواقع مختلف: كانت هناك دائرة ضيقة، لا تُنتخب ولا تُحاسب، تمسك السلطة فعليًا، وبالخيط الأخير: المال، السلاح، والعقيدة الإدارية، الوزراء يوقعون، لكنهم لا يقررون؛ القادة العسكريون يتحركون، لكنهم ينتظرون إشارة من خارج التسلسل الطبيعي للدولة.

حين جاءت اللحظة الحرجة، لم تتصرف مؤسسات الدولة كجسم واحد. لم يكن هناك مركز واضح يتلقى الضربة ويرد. كان هناك مستويان من السلطة: المستوى الأول، الذي تم إفراغه من عقيدته الوطنية لصالح عقيدة الجماعة، ولا يملك الإمكانيات أو حق القرار، والمستوى الآخر، الذي يمتلك الإمكانيات والقرار لكنه يفتقر إلى عقيدة وطنية. في الثواني الأولى، لم تسقط أسماء فقط، بل سقط وهم الدولة في إيران.

النموذج نفسه عرفه لبنان: حزب مسلح داخل دولة، لا فوقها رسميًا ولا داخلها بالكامل. نفوذ واسع، حضور أمني، قدرة على فرض معادلات إقليمية. لكن في ساعة الاختبار، يظهر السؤال البسيط: من يدافع عن من؟ الدولة اللبنانية تدافع عن حزب الله، أم الحزب يدافع عن الدولة؟ الجواب( الدولة ضعيفة بسبب الحزب، والحزب قوي لكنه ليس دولة) النتيجه انه سقط الصف الأول في الحزب بطريقة مشابهة لنظام إيران.

في صنعاء، المشهد ليس بعيدًا. الحوثي دمر الدولة الوطنية لصالح عقيدة السلالة. هناك مؤسسات تحمل أسماء الدولة، وخلفها مركز قرار ضيق جدًا. السيطرة قائمة، نعم، لكن السيطرة ليست دولة، بل جماعة سلالية طفيلية-الدولة لا تُحكم لأن شخصًا هو سيد علم الهدى، بل لأنها مؤسسة قانونية أو دستورية، خاضعة للمحاسبة، ويكون القرار علنيًا ومسؤولًا وقابلًا للتتبع.

لكن الحوثي فصل القرار عن التمثيل، ليجعل تركيبة سلطته شبكة سلالية طائفية مغلقة. تبدو صلبة من الخارج، لكنها في الداخل تعتمد على عقيدة سلالية وولاءات شخصية فارغة من العقيدة الوطنية.
المشكلة ليست أخلاقية، بل تركيبية. أي أن سلطة الحوثي تفصل بين من يقرر ومن يُحاسَب، وتتبنى توازنًا هشًا. طول عمره يفرض نفسه بالقوة، لكنه بعد اليوم سيظل يعيش على قلق افتراض أن لحظة الاختبار لن تأتي، والتاريخ لا يحترم هذا الافتراض.

الكيانات التي لا تتجذر في مجتمعها كدولة لكل مواطنيها، بل كأداة لفريق بعينه، قد تنتصر في معركة أو تؤجل أزمة، لكنها في لحظة الصدمة تكتشف أنها تملك أجهزة… لا دولة. والدولة تُعرف حين تُضرب، لا حين تهتف لها الجماهير.

3/3/2026 م
..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى