صور | كيف حوّل الحـ..وثيون النكف القبلي في مخلاف العود إلى دعاية سياسية..؟!

معين الصيادي

في #اليمن، لا يزال النكف القبلي واحداً من آخر أدوات الضغط الاجتماعي التي تلجأ إليها القبائل عندما تُغلق أبواب العدالة، ويغيب تنفيذ القانون، وتتعطل مؤسسات الدولة، غير أن ما جرى مؤخرا في مخلاف #العود بالمنطقة الوسطى يكشف كيف يمكن لهذه الأداة التاريخية أن تُختطف وتُفرَّغ من مضمونها، حين تقع في قبضة عصـ..ابة لا ترى في المجتمع إلا وقوداً لمعركتها الدعائية.

النكف الذي دعت إليه قبائل آل فاضل يوم الأحد 1 فبراير 2026، لم يكن موجَّهًا ضد الخارج، ولا مرتبطاً بأي صـ..راع إقليمي أو دولي.
لقد كان مطلب النكف بسيطاً، واضحاً، ومشروعاً يتمثل في تنفيذ أحكام قضائية نهائية صدرت بحق اثنين من أبنائهم، أنهيا مدة محكوميتهما المحددة بعشر سنوات، ومع ذلك لا يزالان قيد الاعتقال بعد مرور 11 عاماً، في انتهاك صارخ للقانون ولأبسط معايير العدالة.

لكن مليـ..ـشيا الحـ…ـوثي، وكعادتها، لم تتعامل مع النكف باعتباره صرخة ضد الظـ..ـلم الداخلي، بل سارعت إلى إعادة تدويره إعلامياً عبر قنواتها الفضائية، مقدمة التحشيد القبلي على أنه موجَّه ضد من أسمته “العدو” و” #أمريكا”.
هكذا، وبجرة قلم دعائي، جرى طمس جوهر القضية وتحويلها من مطالبة بتطبيق القضاء إلى فصل جديد في خطاب المواجهة الخارجية.

بعض أو إحدى الكلمات التي ألقتها الزعامات القبلية في هذا اللقاء، الذي وُصف بأنه أكبر لقاء في اليمن لم يشهده من قبل، أشارت إلى أن القبيلة لم تتردد في التحشيد للجبهات، في محاولة لبعث رسالة إلى مليـ..ـشيا الحـ..وثي بأن هذا التحشيد القبلي ليس ضدهم باعتبارها (سلطة أمر واقع) بهدف امتصاص غضبها، خصوصاً بعد نقل السجينين المحتجزين على ذمة القضية قبل نحو عام إلى سجن مجهول، قبل أن تفيد مصادر حوثية لأقاربهما -لاحقاً- بأنهما في (دورة ثقافية)، ما أثار مخاوف قبيلة آل فاضل، لا سيما وأن أحد السجينين تعرض سابقاً لمحاولة اغتيال بعدة طعـ…ـنات داخل السجن المركزي بصنعاء، نُقل على إثرها إلى العناية المركزة ثم أُعيد إلى السجن بعد التماثل للشفاء. ونفذ العملية قاتل مأجور داخل السجن محكوم عليه بالإعـ..دام في قضية أخرى.

التحريف الحوثي لمسار النكف واستغلاله، ليس بريئاً، ولا عفوياً، لعدة أسباب أهمها، حين تعترف الجماعة بشرعية المطلب، فإنها تُقر ضمنياً بأنها تعطل تنفيذ الأحكام القضائية، وتحتجز مواطنين خارج الإطار القانوني. وحين تفعل ذلك، فإنها تضرب أحد الأعمدة التي تدّعي حمايتها “الدولة” و”المؤسسات”. لذلك كان الخيار الأسهل هو الهروب إلى الأمام، وتغليف المطلب القانوني بشعارات سياسية لا تمت له بصلة.

الأخطر من ذلك أن هذا التوظيف أكد نظرة الجماعة إلى القبيلة، ليس بوصفها شريكاً اجتماعياً له حق الاحتجاج والمساءلة، بل كأداة تعبئة يجب أن تتحرك فقط ضمن السقف الذي ترسمه السلطة.

إن أي محاولة قبلية مستقلة للمطالبة بالحقوق، تُعاد صياغتها فوراً لتخدم الخطاب العام للجماعة، حتى لو كان ذلك على حساب أصحاب القضية أنفسهم.

بهذا السلوك، لا تُفرغ مليـ…شيا الحـ..وثي النكف القبلي من معناه فحسب، بل تفرغ العدالة من مضمونها. إذ ما قيمة حكم قضائي لا يُنفذ؟ وما جدوى القضاء إذا كانت الأحكام تُعلَّق أو تُفعَّل وفق اعتبارات سياسية وإعلامية؟

ما حدث في مخلاف العود ليس حدثاً وليد اللحظة أو الصدفة، بقدر ما هو نموذج متكرر لكيفية تمييع القضايا الحقوقية وتحويلها إلى أدوات دعاية.

هذا الأمر يعد مساراً بالغ الخطورة، لأنه يدفع المجتمع إلى القناعة بأن المطالبة بالحق لن تُثمر، وأن كل تحرك سيُختطف ويُعاد تعريفه بما يخدم السلطة لا القانون.

في النهاية، لا يمكن لأي سلطة أن تبني شرعية حقيقية عبر تشويه مطالب الناس، ولا يمكن لخطاب “المواجهة مع الخارج” أن يغطي إلى الأبد على ظلم الداخل. فالعدالة المؤجلة، مهما طال الزمن، ستظل سؤالاً مفتوحاً في وجه من يعطلها، حتى لو حاول تغليفها بكل شعارات المعركة.
تضامننا الكامل مع آل فاضل وأسر جميع الضحايا المغيبين في السجـ..ون الحـ..وثية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى