أغلفة وكتب | النوافذ الصفراء لسالم بن سالم..
سامي الشاطبي
لا تلهث رواية النوافذ الصفراء خلف أحداث ضخمة بل تختار شجاعة الكتابة عن اللا حدث والكارثة اليومية للإنسان المراقب بصمت.. إنها رواية أحوال ووثيقة نفسية لجيل تعلم الحياة خلف الزجاج كتبها سالم بن سليم بهدوء قاس يوقظ الوعي على حقيقة أن أخطر أنواع الضياع هو أن تضيع وأنت ثابت في مكانك.
رواية النوافذ الصفراء هي عمل أدبي للروائي اليمني سالم بن سليم صدرت في مطلع عام 2014 عن دار فكرة بمصر.. تدور أحداثها في مدينة شبام حضرموت التاريخية وتستعرض بأسلوب سردي حداثي ذكريات الحب والتقاليد وصراع الذات مع المكان عبر زمنين متداخلين.
تتمحور الحكاية حول فاطمة فتاة أربعينية تتخذ من نافذتها الخشبية العتيقة في شبام مرقبا لاستعادة شريط ذكرياتها.. تستعرض الرواية قصة حب عذري جمعها بشاب يدعى ربيع واصطدم بأسوار القيود والتقاليد المجتمعية.. وتتجسد ذروة السرد حين يقدم لها عرض الهرب نحو منطقة جبلية لتوصد باب الماضي بقرار حاسم يرفض الفرار ويعود بها إلى واقعها.
وعلى مستوى التقنية السردية قسّمت الرواية إلى مشاهد غير مرتبة كرونولوجيا مستخدمة إشارات زمنية مثل قبل 1985 وبعد 2014 لمنح النص طابعا حداثيا يبتعد عن تقنية الاسترجاع التقليدية مع احتلال مدينة شبام الصفراء ومكانتها المعمارية والثقافية حيزا مركزيا في تشكيل الهاجس السردي وتوجيه أبعاد الرؤية القصصية.
الرواية تتجاوز حدث الحرب الكبير لتلتفت إلى الحرب الصغيرة التي تدور في دهاليز الحياة العادية؛ حيث لا صوت للرصاص ولا دخان للانفجارات بل العنف كامن بطيء ومؤسس يتمثل في عنف الانتظار.
تنهض على إيقاع رتيب مقصود بجمل قصيرة متقطعة وخالية من الزخرفة لتشبه لغة البطل المرهقة والباهتة التي تكرر نفسها.. وتبرز سمة التجريد بوضوح في غياب أسماء الشوارع والتواريخ وملامح الوجوه حيث تعمم المدينة والموظفون والزمن ليتحول مصير الفرد إلى حالة جمعية تمس أي أحد.
تتخذ النوافذ الصفراء رمزا مركزيا يقلب المفاهيم فهي لا تفتح على عالم بل تعكس صفرة المرض والوثائق والشمس التي لا تدفئ لتغدو سجنا زجاجيا يرى منه البطل العالم دون أن يلامسه محولا المنفى إلى الداخل بينما الوطن غائب.
يدور الموضوع الجوهري حول الموت بالتقسيط وتفكيك الإنسان عبر الروتين حيث يصبح الجلاد هو الطابور والختم وعبارة تعال غدا في استنزاف روحي بلا أثر دم. ومع دائرية الزمن وتكراره المتعمد يعيش القارئ ملل البطل وتجربته ذاتها.
تكمن القيمة الجمالية والفكرية في شجاعة الكتابة عن اللا حدث والكارثة اليومية للرجل الذي يموت واقفا في طابور مطروحا سؤالا أخلاقيا حول حدود الصبر وتحول الصمت إلى تواطؤ لمواجهة البطل المراقب دون تمرد.
فـ النوافذ الصفراء ليست رواية أحداث بل رواية أحوال ووثيقة نفسية لجيل تعلم الحياة خلف الزجاج يرى ويسمع ولا يشارك كتبها سالم بن سليم بهدوء قاس أوجع وذكّر بأن أخطر أنواع الضياع هو أن تضيع وأنت في مكانك.
عن فاطمة:
تتجاوز شخصية فاطمة الأبعاد النفسية والفردية لتكتسي دلالات سياسية عميقة، تتحول معها النافذة إلى منبر خفي للمقاومة الهادئة ورفض الواقع المفروض. إن وقوفها الدائم على حافة النافذة لمراقبة المارة لا يقتصر على حفظ الذاكرة الجماعية، بل يمثل فعلاً سياسياً مضاداً للتهميش والنسيان الذي تفرض السلطات والتحولات العنيفة على المدن؛ فهي بحضورها الصامت تسجل شهادتها على التاريخ وتفضح هشاشة الخطابات الرسمية التي تسعى لطمس الهوية.
تصبح عزلتها السياسية وطقوسها المكررة -كتحضير الشاي والانتظار الصامت- شكلاً من أشكال العصيان الودي، ومحاولة للحفاظ على الاستقلالية الداخلية وسط بيئة تسلطية تغلب عليها القسوة والتقاليد الصارمة.
إن وقوفها على خط النار الفاصل بين الواقع والوهم يعكس مأساة المواطن في ظل الأنظمة المأزومة، حيث يتحول الجسد المنتظر إلى ساحة صراع خفية بين الرقابة والحرية، وتتجسد في صمتها أعباء مجتمع كامل يتآكل تحت وطأة القمع والغياب.
ختاماً، لم يكتف سالم بن سليم بتحويل التفاصيل اليومية والعزلة إلى شهادة حية تقاوم النسيان وحفظ الذاكرة الجماعية للمكان بل ترك قسماً من روح الحكاية معلقا على حافة السؤال الحائر.. ما مصير ومآلات شخصيات روايته؟ فعلى الرغم من عمق الحضور الإنساني والسياسي والنفسي لهذه الشخصيات، آثر الكاتب أن يترك مصائرها مفتوحة على التأويل، فلا هو أسلمها لدفن النسيان التام، ولا تركها ترسو في بر الأمان، بل أبقى عليها حائرة في مساحة رمادية تشبه تماما تلك الأمكنة التي لا أسماء ولا عناوين لها، لتظل أسئلتها الوجودية تتردد صداها طويلاً في وجدان القارئ.
لنا قراءات اخرى قادمة..




