أبناء ضفتي البحر الأحمر في عدسة REDMIX.. ذاكرة الغربة وشتات المولّدين

سامي الشاطبي- خاص- معين برس- اليمن:

على مدى ثلاثين عاماً من اشتغالي على قضاياهم، كان أبناء ضفتي البحر الأحمر الجنوبي يواجهونني بسؤالٍ واحد يتكرر
: ما هو الانتماء؟ وما معناه حين تتخلى عنك الأرض والسياسة؟
على الضفة الأخرى، برزت REDMIX لتطرح أسئلةً موازية
: ما الحكايات التي تتخلق من سؤال الانتماء؟ ..كيف يمكن تحويل القصة الفردية إلى مادة بحثية تثري النقاش العالمي حول العرق والهجرة والمواطنة؟ وكيف يمكن توثيق الذاكرة الجماعية للمجتمع الناتج عن اختلاط الضفتين والمسمى ب “المولدين” قبل أن تُمحى؟ ..ما هي الوثائق والقصص الشفهية التي تربط بين ضفة اليمن بضفة القرن الإفريقي والبحر الأحمر ولم يصل إليها الأرشيف التقليدي؟ ..كيف يتحوّل الألم الشخصي إلى شهادة تاريخية موثقة تبقى للتاريخ؟


اجمالا ..الانتماء لا يُولد من العدم.. فنحن ابناء الضفتين من نصنعه بأيدينا، نرويه بحكاياتنا، نحميه حين نوثّقه.. من هذه القناعة تنطلق REDMIX إلى البحر الأحمر، لا لتؤرّخ فحسب، بل لتقاوم المحو..لتشاركنا آمالنا بتحقيق تلك الروايات وحماية تلك الوثائق.
ففي زمنٍ تتلاشى فيه الذاكرة المشتركة، وتُختزل هوياتنا إلى أرقام في جواز سفر، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف صنع الناس إحساسهم بالانتماء حين خذلتهم الضفاف؟

للبحث عن إجابة، نتجه جنوباً.. إلى أضيق نقطة في البحر الأحمر.. باب المندب.. هو ليس حاجزاً يفصل بين دولتين، بل عنق زجاجة تاريخي ابتلع آلاف القصص.. هو الجسر الذي يربط، لا الذي يفرّق.

الجسر الذي لم يكن خندقاً:

لم يكن البحر الأحمر خندقاً مائياً يفصل اليمن عن القرن الأفريقي بل شرياناً نابضاً بالملح والريح والبشر.. لكن العلاقة أقدم من سجن الإمامة التي كانت حاكمة لليمن.. هي ضاربة في الهجرات العربية الأولى التي شقت طريقها عبر دهلك ومصوع وعصب ودنكليا، مدفوعة بالزحف الصحراوي والتجارة وحروب القبائل. ساعدها القرب الجغرافي والرياح الموسمية التي نظم العرب رحلاتهم عليها.. حملت مراكبه البخور والبن، وحملت معهما الفارّين من سجن الإمامة.

على الضفة الغربية، في قلب الحبشة، لم تنشأ “جالية”.. نشأ وطن موازٍ. اليمنيون في إثيوبيا نموذج فريد لجالية جمعت بين الاندماج العميق في المجتمع الإثيوبي والحفاظ على هويتها وعاداتها اليمنية.

قرابة 400 ألف يمني لجأوا إلى إثيوبيا بين 1920 و1962.. دخلوا من عدن ومدن يمنية أخرى، واستقروا في مقلي، هرر، دريدوة، نازريت، جما، وأديس أبابا.. لم يكتفوا بفتح الدكاكين. أسسوا مدرسة في أديس أبابا عام 1942 – أولى المؤسسات التعليمية الأجنبية هناك – تدرّس العربية والمنهج اليمني بجانب الأمهرية والإنجليزية، وشيّدوا مقراً، ونسجوا ذاكرة جمعية.

من هذا التمازج العميق وُلد أبناء الضفتين “المولدون”: أبناء اليمنيين من أمهات إثيوبيات. من قوميات التيغراي، الأرومو، الأمهرا، والقراقي.
في إقليم “وللو” تحديداً، نشأ ما سمي بقبيلة “عرب قبا” ومعناها بالأمهرية “العرب دخلوا”.. لم يكونوا نتاجاً بيولوجياً فحسب، بل كانوا جسراً بشرياً حياً، حملوا على أكتافهم سؤال الهوية المزدوج الذي عجزت الدولة-الأم عن الإجابة عليه حتى اليوم.

الأسطورة جواز مرور:

وبقدر ما أثّر اليمنيون في إثيوبيا، بقدر ما تأثّروا بها وتناغموا معها، مندمجين في نسيج حياتها.. فالعلاقة لم تكن باتجاه واحد.وفي عام 1935، حين اجتاح موسوليني إثيوبيا، توثّقت العلاقات الحديثة بين الإمام يحيى حاكم اليمن آنذاك والإمبراطور هيلا سيلاسي. لكن الإمبراطور، في ساعة الخطر، لم يستنجد باليمنيين عبر البيانات السياسية أو البرقيات الدبلوماسية.. بل استنجد بما هو أعمق من السياسة: استنجد بالدم المشترك. استدعى بلقيس.
في المخيال اليمني-الإثيوبي، ملكة سبأ اليمنية ليست أسطورة تُروى للزينة أو حكاية تُزين المجالس.. هي شهادة نسب محفورة في الذاكرة، وعقد دم لا تمحوه السنون.فالسلالة السليمانية التي حكمت إثيوبيا لقرون تستمد شرعيتها من زواج تم بين النبي سليمان وبلقيس، زواج خلط الدم اليمني بالدم الحبشي وجعل العرشين امتدادًا واحدًا.. لهذا، حين زحف موسوليني على أديس أبابا عام 1935، لم يطلب هيلا سيلاسي نصرة إمبراطور لإمبراطور، ولا تحالفًا بين دولتين على خارطة.. بل بعث نداءً أقدم من الحدود.. نداء “ابن العم” لابن عمه.. استنجد باليمن لا كجغرافيا، بل كرحم. استنجد ببلقيس لا كملكة في كتاب، بل كجدّة مشتركة لا يزال دمها يجري في العروق. في تلك اللحظة، سقطت السياسة وبقي النسب. سقطت البرقيات وبقيت الحكاية التي يحفظها الطرفان: أننا لسنا جيرانًا على البحر الأحمر.. نحن بيت واحد، انقسم على ضفتين.
هكذا تحولت الحكاية إلى بندقية.. تداول المغتربون النداء كفرض عين. قاتل الالاف من الشباب اليمني في عدوة وأمبا ألاجي لا كمرتزقة، بل كأحفاد يدافعون عن شرف الجدة.
هذه هي عبقرية الأسطورة القاتلة.. تتحول من حكاية تُروى إلى وقود حرب يُشعل.. إيطاليا لم تُهزم بالسلاح فقط، بل بسردية عمرها ثلاثة آلاف عام.
الخطاب اليمني الرسمي اليوم يستحضر بلقيس في المتاحف، ويتنكر لأحفادها من “المولدين” عند أبواب الجنسية..

أبناء الضفتين وقود الثورة المنسي:

إثيوبيا لم تكن منفىً لليمنيين.. كانت غرفة عمليات الجمهورية. من هناك، ضخّ تجار كبار – السنيدار، الأصبحي، العيدروس – أموالهم في شرايين حركة الأحرار. كانوا “نفط الثورة” قبل أن يُكتشف النفط.. المسودة الأولى لدستور الجمهورية لم تُكتب في صنعاء، بل صاغها أحمد محمد النعمان بعد احتكاكه المباشر بوعي الجالية السياسي في أديس أبابا.. ثورة 26 سبتمبر 1962 اليمنية ما كانت لتتنفس لولا أكسجين مهاجري إثيوبيا.

هؤلاء لم يكونوا مجرد ممولين.. كانوا “فاعلين تاريخيين” بنوا اقتصاداً موازياً: صدّروا المحاصيل والبن الهرري والبخور إلى السعودية واليمن ومصر وتركيا والصين وأميركا واليابان. استثمروا في مطاعم أديس أبابا التي صارت من معالمها: مندي، مظبي، سبايا، برمة، معصوب. أداروا شركات ومصانع، ونال كثير منهم إشادات وشهادات رسمية من الدولة الإثيوبية لخدمتهم الاقتصاد. كانوا يعملون “باعتبارهم إثيوبيون سواء بالمولد أو بالتجنس أو كمستثمرين”.

لكن هنا تبدأ الخيانة التاريخية الكبرى: الجمهورية التي ساهم “المولدون” في مخاضها، لفظتهم بعد الولادة.. مع ظهور نفط الخليج، تقلص دور الجالية الاقتصادي في نظر صنعاء، فتقلص الاعتراف بها.. الدولة استبدلت بن هرر بنفط الخليج.. استبدلت من موّل الثورة بمن موّل القصور.. تحول اسم “المولدين” من توصيف اجتماعي إلى رصاصة رمزية.. صار وصمة.. حرم البعض من الجنسية، واقصي البعض الاخر من الوظيفة..الجمهورية استخدمتهم كحطب لإشعال الثورة، ثم نفضت الرماد عن ثوبها..

العودة المستحيلة:

في السبعينيات، بدأت القافلة المعكوسة.. عاد المولدون إلى “الوطن” الذي حفظوه في الأغاني قاسم وحكايات الآباء. لكنهم اصطدموا بالوطن-الكابوس.. وطن بيروقراطي لا يشبه خيالهم. وجدوا أنفسهم أجانب بملامح يمنية.. بلا أوراق ثبوتية، بلا لهجة يفهمها موظف الجوازات، بلا ذاكرة معترف بها.

هنا وُلد “المنفى الداخلي”.. أن تكون غريباً في بيت أبيك.. كانت تلك لحظة الانكشاف المروعة.. أن تموّل الثورة، ثم تُعامل كعبء على الدولة.. أن تكتب دستور الجمهورية، ثم تُمنع من حمل بطاقتها.
والمفارقة أن وجود اليمنيين في القرن الافريقي لم يكن وليد سياسة، بل نتيجة جوار جغرافي ومصالح مشتركة وتزاوج تاريخي.. نجحوا في خلق هوية مزدوجة.. إثيوبيون بالمواطنة، يمنيون بالثقافة والذاكرة.. الدولة الإثيوبية اعترفت بهم.. أما الدولة الأم فاختارت المحو.

“المولدون لا يموتون غرباء.. يموتون وهم يمسكون الضفتين كي لا يغرق التاريخ.”

جوهر REDMIX اليوم:

هل يملك الأرشيف أن ينهض من رفوف النسيان، ليصير مستودعًا رقميًا حيًا، ناطقًا بكل ألسنة البحر الأحمر؟
مستودعًا يضمن وصولًا منظمًا إلى طبقات متراكمة من المعرفة.. موارد متعددة التخصصات تقتفي أثر التعددية الثقافية وهي تتشكل وتتفكك على ضفتي البحر، من بواكير القرن التاسع عشر حتى ارتباكات الحادي والعشرين. أرشيف لا يكدّس الورق، بل ينتخب الذاكرة.. مواد تاريخية اُنتقيت بعناية، وأبحاث علمية رصينة، ووثائق محفوظة من التلف، كلها مبثوثة على منصة قابلة للبحث، لا تفرّق بين أستاذ في تورينو وطالب في عدن.
لكن السؤال الأعمق: هل يقدر هذا البناء الرقمي أن يقلب موازين السرد، فينتزع لـ”المولّدين” اسمهم الذي صودر؟ أن يمحو عنهم وصمة “الحالات الإنسانية” التي تُعرض على موائد العطف، ويثبت لهم صفة “الفاعلين التاريخيين” الذين نحتوا بأيديهم مصير المنطقة، وسدّوا بأجسادهم الشقوق بين ضفتيها؟
وهل يجد الباحثون في هذا الجوهر مادةً خامًا جديدة، لا لكتابة تاريخ الضحايا، بل لكتابة تاريخ الصُنّاع؟
هذه ليست أسئلة عابرة.. إنها الأسئلة التي تؤرق فريق REDMIX، من الرأس إلى الأطراف.. فالنتينا فوساري، الباحثة الرئيسية التي تفتش في صمت الأرشيف عن صوت النوع الاجتماعي والعمل والتنقل، وفرانشيسكو دراغوني الذي يخرج بالمشروع من جدران الأكاديميا إلى الناس، وعدنان الغالي الذي يقرأ التهجين في خرائط المدن، وتيزيانا باشوتو التي تحفظ الذاكرة بالأنطولوجيا، وستيفانو تالاميني الذي يمسح الغبار عن الوثائق، وسارا زانوتا التي تتبع خيوط التمازج من إيران إلى البحر، وسارا أميريو التي تمسك بخيوط المشروع كلها كي لا تتفلت.
هي أسئلتهم لأنها أسئلة التاريخ نفسه…وهم يسعون لإجاباتها لا بالحبر، بل بالحفر. بالحفر قبل أن يهيل النسيان ترابه الأخير.


بين “عرب قبا” الذين دخلوا، و”المولدين” الذين خرجوا.. هناك بحر كامل من الحكايات لم تُروَ..بحر فيه حارس مات وهو يشد الحبل، وعلم لم يسقط.
فيه سعيد عبده واقف في المضيق، رِجل هنا ورِجل هناك، وظهره يسدّ الشق…فيه أم خبأت شهادة ميلاد ممزقة وقالت لولدها: “هذا ورقك الوحيد.. لا تضيعه”.
النسيان يهيل ترابه كل يوم.. حفنة فوق اسم، حفنة فوق صوت، حفنة فوق قبر بلا شاهدة.
REDMIX جاء بمعوله.. لا ليبكي على القبور، بل ليفتحها..ليخرج بلقيس من بين السطرين.. من بين “الدخول” و”الخروج”.
ليقول لها: “قومي. أولادك لم يموتوا غرباء. كانوا هنا. بنوا، حرسوا، أحبوا، وماتوا وهم يمسكون الضفتين كي لا يغرق البيت”.
فإذا نهضت بلقيس من الأرشيف، نهضنا معها…وإذا نطقت، سقطت كل الأسماء المستعارة.. وبقي اسمنا الحقيقي:
نحن لسنا الجسر بين حضارتين.. نحن الحضارة التي لها ضفتان.

قائمة الصور:

صورة: مقر الجالية اليمنية في أديس أبابا عام 1945
تعليق: أعضاء الجالية اليمنية أمام مقرهم المؤسس في أديس أبابا، 1945. كان هذا المقر برلمانهم المصغّر وسفارتهم الشعبية. المصدر: أرشيف خاص، مجموعة سامي الشاطبي._

صورة: حارس مدرسة الجالية اليمنية باديس ابابا
حارس مدرسة الجالية اليمنية في أديس أبابا… خمسون عامًا وهو يرفع علم اليمن كل صباح. في صباحه الأخير، مات وهو يشد الحبل، والعلم يصعد. ظلّه على السارية، والعلم على ظلّه.

صورة: لسعيد عبده سعيد بطل رواية يموتون غرباء لمحمد عبد الولي
تعليق: سعيد عبده سعيد، الملهم الحقيقي لبطل “يموتون غرباء”. وجهه هو الأرشيف الصامت لمأساة كاملة. المصدر: أرشيف خاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى