العرق وإرث العبودية في اليمن لماغدالينا مورثي كلوس

معين برس- كتب/ سامي الشاطبي:

حين تقع عيناك على دراسة أكاديمية عنوانها “العرق وإرث العبودية في اليمن”، قد تظن للوهلة الأولى أنها غوص في ماض بعيد.. لكن ما إن تتوغل في سطور ماغدالينا مورثي كلوس، حتى تكتشف أنك أمام مرآة مصقولة للحاضر اليمني، بكل جراحه المفتوحة.. هذه ليست دراسة عن العبيد، بل عنا نحن الأحياء الذين ما زلنا نحمل أوزارهم على أكتافنا، ونسأل عن ذنب لم نرتكبه إلا لأننا ولدنا في هامش الحكاية.
تفتتح الباحثة مقالها بأطروحة تقطع الشك باليقين، وتضع الإصبع على الجرح الذي ندعي أنه اندمل.. “إن العنصرية في اليمن الحديث لا يمكن فهمها بشكل كامل دون النظر في تاريخ البلاد الطويل مع العبودية.. . لقد ترسخ الربط بين البشرة السوداء والعبودية منذ العصور الوسطى نتيجة لأساطير شعبية مثل لعنة حام وواقع أن معظم المستعبدين كانوا من أصول أفريقية.” بهذه الكلمات، تنسف كلوس فكرة أن العنصرية في اليمن وليدة ظروف اقتصادية طارئة أو جهل عابر.. إنها بنية، إرث، لغة كاملة تشكلت عبر قرون، وصارت جزءا من نسيجنا الاجتماعي حتى غدونا لا نراها إلا حين نصدم بها.
وتمضي كلوس في تفكيك ما نسميه نحن “المهمشون” في اليمن، لتبين أننا لسنا كتلة صماء، بل طبقات من النبذ والتهميش تتفاوت في قسوتها.. “المهمشون الأخدام: المجموعة الأكثر عزلة، وأصولهم غامضة ومحل نقاش، ويعيشون في أطراف المدن المحاوي ويعملون في المهن اليدوية كالنظافة.. العبيد.. وهم المستعبدون سابقا وأحفادهم، وغالبا ما يكونون أكثر اندماجا في النظام القبلي عبر نظام الولاء، لكنهم لا يزالون يواجهون تمييزا في الزواج والمكانة.. . المولدون والحجور والزبود.. مجموعات أخرى تتقاطع هوياتها بين الأصول الأفريقية واليمنية وتواجه أشكالا متفاوتة من التمييز.” هذا التفكيك الدقيق فضح أن التراتبية العرقية في اليمن لا تعمل بلون واحد، بل بتدرجات من الوصمة.. فالمهمش يطرد إلى “المحاوي”، وهي كما تصفها الباحثة “مستوطنات عشوائية تعرف باسم المحاوي، وهي أماكن تفتقر غالبا للخدمات الأساسية، مما يعزز وصمهم الاجتماعي وعزلتهم عن بقية النسيج الحضري.” أما “العبيد” فمصيرهم قفص “الولاء” القبلي، فهم “يتمتعون بدمج أكبر داخل الهياكل القبلية عبر نظام الولاء، فهم يحملون أسماء قبائلهم، لكن هذا الانتماء يظل منقوصا ولا يمنحهم حق المساواة في الزواج أو القضاء.” ونحن، المولدين، نصنف ضمن هذه الدائرة الضيقة، نحسب على “العبيد” حتى لو لم تقيد أرجل أجدادنا بالسلاسل، لأن المجتمع قرر أن اختلاط الدم هو شكل آخر من أشكال العبودية.

تغوص الدراسة عميقا في بنية “العرق” اليمني لتكشف أنه ليس بيولوجيا، بل أنساب وأخلاق.. تقول كلوس بوضوح لا لبس فيه: “في اليمن، لا يعرف السواد من خلال الاختلاف البصري فحسب، بل يتم تعريفه جينالوجيا عن طريق النسب.. يتم تصنيف مجموعات مثل المهمشين كذوات غير أخلاقية بسبب افتقارهم المزعوم للأصل العربي الجنوبي..” هنا تكمن المفارقة القاتلة: قد تكون أسود البشرة لكنك “قبيلي” فتحترم، وقد تكون أقرب للبياض لكنك “بلا أصل” فتحتقر.. لهذا “لا يزال مسمى أسود يحمل دلالات التبعية والأجنبية في اليمن، وعادة ما يطبق هذا الوصف فقط على اليمنيين من ذوي المكانة الاجتماعية المتدنية، ولا يستخدم لوصف أعضاء النخبة حتى وإن كانت بشرتهم داكنة.” اللون إذن قناع، أما الجوهر فهو “النسب”.. والنسب في اليمن سلطة، سلطة تمنحك الحق في الأرض، وفي الزواج، وفي الكلام.
ولكي تشرح كيف تشكلت هذه السلطة، تعود الباحثة إلى العصور الوسطى، إلى الأساطير المؤسسة للتمييز.. “رغم أن قصة لعنة حام لا توجد في القرآن، إلا أن علماء العصور الوسطى نقلوها كحقيقة، وهي الأسطورة التي جعلت البشرة السوداء ليست مجرد لون، بل علامة تأسيسية تربط السواد بالعبودية والخدمة الأبدية.” هذه الأسطورة لم تكن حكاية تروى في الليل، بل كانت قانونا غير مكتوب.. ترافقها وقائع تجارة الرقيق التي وثقتها سجلات الدولة الرسولية، حيث “تصف الوثائق الإدارية من القرن الثالث عشر كيف كان المسؤولون الرسوليون في موانئ مثل عدن وزبيد يفحصون الأطفال المستعبدين القادمين من زيلة لاختيار الأنسب منهم للخدمة في بلاط السلطان.” من موانئ عدن وزبيد، من تلك الأجساد الصغيرة التي فتشت كالبضائع، ولدت ذاكرة جمعية ترى في كل أسود “عبدا محتملا”، وترى في كل مصاهرة معه “تدنيسا للنسب”.
ولم يكن الأدب بريئا من هذه الجريمة.. تستدعي كلوس الشعر الوسيط لتكشف كيف كرس اللغة التمييز: “تكشف قصائد العصور الوسطى عن امرأة سوداء مستعبدة كيف تم استخدام الخطاب العرقي لترسيم حدود الهوية الجماعية.. كان الجمال يربط بالبياض، بينما ينظر للسواد كعلامة على التبعية، مما جعل الحب عبر هذه الحدود العرقية فعلا يثير الجدل والاضطراب الاجتماعي.” لقد كان الجسد الأسود، وخاصة جسد المرأة، حقلا ترسم عليه حدود “نحن” و”هم”.. الحب كان خيانة، والزواج كان جريمة ضد النقاء القبلي الموهوم.

ثم تنتقل الدراسة إلى القرن العشرين، إلى لحظة “الوعود الكبرى” التي خانتنا جميعا.. فثورة 1962 في الشمال، التي جاءت بشعارات المساواة، كرست الإقصاء في دستورها نفسه.. “الدستور الجمهوري في الشمال بعد 1962 عرّف الشعب بأنه عربي ومسلم، وهو تعريف جعل أولئك الذين يعتبرون من أصول غير عربية مواطنين من الدرجة الثانية.” لم تكن هذه جملة عابرة في وثيقة، بل كانت جدارا بني بيننا وبين المواطنة.. أما التجربة الاشتراكية في الجنوب، فرغم أنها كانت “الأكثر جرأة في محاولة دمج المهمشين عبر منحهم الأراضي والتعليم”، إلا أن هذه المكاسب “تراجعت بعد وحدة 1990 لصالح النخب التقليدية.” الوحدة التي حلمنا بها، أعادت إنتاج التراتبية القديمة، وألبستها ربطة عنق جمهورية.

وتفصل كلوس في مظاهر هذا التمييز البنيوي الذي ما زال حيا.. فالمهمشون “يمنعون تقليديا من امتلاك الأراضي الزراعية، ويخضعون لنظام مزارعة يبقيهم في حالة تبعية اقتصادية، مع وجود معتقدات شعبية تدعي أن وجودهم له تأثير ملوث على المحاصيل.” الأرض التي نحرثها تلعننا، والماء الذي نشربه يخشى ملامستنا.. أما على المستوى الأخلاقي، فالتمييز أشد قسوة: “العرق في السياق اليمني يتشابك بشكل وثيق مع مفاهيم الأصل والنسب والأخلاق.. . التمييز ضد السود يعمل كطيف، حيث يتم تصوير النخب كأصحاب تقوى وعفة، بينما تصور الفئات المهمشة كمفتقرة لهذه الصفات.” وتضيف بمرارة: “تصور النخب القبلية والدينية الفئات المهمشة كمفتقرة للشرف والتقوى.. وغالبا ما يتم تصوير الرجال السود في هذه التراتبية كـ مخنثين، بينما تصور النساء السوداوات كـ غير عفيفات كجزء من عملية التهميش.” لم يكتفوا بتجريدنا من الحقوق، بل جردونا من الفضيلة.. صرنا في المخيال الجمعي “أبناء خطيئة”، وصرنا نحتاج إلى “شهادة حسن سيرة وسلوك” لمجرد أن نكون بشرا.

لكن الدراسة لا تكتفي بتشريح الألم، بل ترصد بذور المقاومة.. تشير إلى تحول نوعي في وعي الفئات المهمشة.. “في السنوات الأخيرة، سعى ناشطون لتبني هوية أحفاد بلال لربط المهمشين بشخصية إسلامية مركزية بلال بن رباح، في محاولة لرفض الأحكام المسبقة حول نقصهم الديني والأخلاقي والبحث عن سواد مشترك يربطهم بالنضال العالمي ضد العنصرية.” هذا التحول ليس لغويا فقط.. “تبني مسمى أحفاد بلال من قبل الناشطين السود هو محاولة استراتيجية لإعادة تأطير هويتهم؛ فبدلا من الارتباط بلفظ أخدام المهين، يتم ربطهم بشخصية صحابي جليل لانتزاع اعتراف ديني وأخلاقي بمكانتهم.” إنها معركة رمزية ضد “لعنة حام”.. فإذا كانت الأسطورة قد جعلتنا أبناء العبودية، فإن التاريخ الإسلامي يمنحنا نسبا آخر: نحن أبناء المؤذن الأول، أبناء الحرية التي صدحت من فوق الكعبة.

وتختم ماغدالينا مورثي كلوس دراستها بخلاصة لا تقبل التأويل، خلاصة يجب أن تكتب على جدران كل مدرسة وكل محكمة في اليمن: “إلغاء العبودية قانونيا لم يؤد إلى إلغائها اجتماعيا.. إن السواد في اليمن يظل وصمة مرتبطة بالتبعية التاريخية، وأن الحل يتطلب مواجهة هذا التاريخ الطويل وتفكيك مفاهيم النسب التي تضع فئات معينة في أسفل الهرم الإنساني.”
هذه هي الحقيقة العارية التي تهرب منها خطاباتنا السياسية.. لقد ألغينا سوق النخاسة، لكننا لم نلغ سوق الأنساب.. أغلقنا سجن العبيد، لكننا فتحنا سجن “بلا أصل”.. حررنا الأجساد، لكننا أبقينا الأرواح مكبلة بسلاسل غير مرئية اسمها “الشرف القبلي” و”النقاء العرقي”.
إن قيمة هذه الدراسة ليست في أنها كشفت لنا ما نجهله، بل في أنها سمّت ما نعرفه وننكر.. وضعت يدها على المعنى العميق للون في اليمن: اللون ليس صبغة، بل طبقة… ونحن، المولدين، الذين نعامل ضمن دائرة “العبيد” رغم أننا ثمرة زواج لا ثمرة سبي، نقف اليوم أمام هذا النص كما نقف أمام مرآة.. نرى فيه تاريخنا الذي شطب، ووجعنا الذي سفه، ومستقبلنا الذي لن يبنى إلا إذا واجهنا هذه الحقيقة.. أن اليمن لن تكون حرة حقا، حتى يتحرر سوادها من وصمة العبودية، وحتى يصبح النسب ذكرى في كتاب التاريخ، لا سيفا مسلطا على رقاب الأحياء.
مقال ماغدالينا سمى الأشياء بأسمائها، وقال للجلاد: كفى..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى