طيبة الادريسي.. عقد من الابداع النبيل

معين برس- كتب/ سامي الشاطبي:

بتاريخ اليوم، 7 مايو 2026، تنقضي عشر سنوات كاملة منذ أن طرق مسمعي اسم طيبة الإدريسي لأول مرة…. عشر سنوات، وما زال الاسم يرتج في طبلة أذني كأذان طروبٍ لا يخبو، كشجن مئذنة أوحشت بعد مؤذنها.
عرفت طيبة بنت الشريف الإدريسي لا في قاعة محاضرات يصفق فيها الغرباء، ولا على منبر تكريم تلمع فيه النياشين الكاذبة، بل من خلف ملف مركز الإدريسي الثقافي التاريخي، حيث تكدست الآمال كأيتام على الرصيف، وعلو النشاط على أسماء صنعت المدن بصمت، ثم انطفأت.
كان ذلك قبل عشر سنوات بالضبط مضت…. عشر سنوات وهي عمر كامل من اليتم.. جئت إليها متطوعا أبحث عن معنى في خراب الروح، فوجدت اسم امرأة كان هو المعنى كله، وكان هو الفقد كله..
اسمها “طيبة”، ولم يكن الاسم مجاملة عابرة.. هي طيبة الطيبة.. رائدة العمل التطوعي الذي صار يتيما بعدها، والمستشارة التعليمية التي شاخت المناهج بغيابها، والقاصة التي تكتب الحزن كما نتنفسه نحن.. قهرا لا فرحا.

في ذلك العام كنا نحمل حلما مرهقا كجثة: تأسيس مركز ثقافي يحتوي امالنا الثقافية..فكان “مركز الإدريسي الثقافي التاريخي”.. أوراق صفراء، تراخيص تتسول التوقيع، أبواب موصدة كالقلوب، وأسئلة كثيرة تشكك في جدوى أن تفتح نافذة ثقافية جديدة في مدينة أنهكها الصمت حتى صار الصمت لغة رسمية..
طيبة لم تكن بيننا…. كانت في بلد آخر، تفصلنا عنها حدود كالخناجر، ومسافات كالقبور.. لم تمنحنا مكتبا نأوي إليه، ولم تفتح لنا باب دارها لنبكي عليه.. لكنها منحتنا ما هو أثمن من الجدران.. اسمها الذي كان سقفا، وصوتها الذي كان مأوى، وقلبها الذي كان وطنا..
من هناك كانت أول من همس: “ابدؤوا.. وأنا معكم”.. وكانت “معكم” تلك، أكثر حضورا من كل الذين كانوا هنا بأجسادهم وقلوبهم غائبة.

كانت ترسل توجيهها عبر الهاتف كأنها ترسل ضمادات لجراحنا، وعبر البريد كأنها ترسل خبزا لجوعنا، تقلب مسودات النظام الأساسي بعين الخبيرة التي أسست اللجان النسائية الأولى في طيبة حين كانت النساء يعاملن كظل، والتي قادت القسم النسائي في جمعية الخدمات الاجتماعية حين كان الخدمة تهمة والتي كانت عضو مجلس إدارة في جمعية طيبة الخيرية حين كان الخير يحارب.. كتبت لنا بجملة تقطر دما
الثقافة عمل تطوعي أيضا.. والمدينة تحتاج من يحكي وجعها.. وما زال وجع المدينة بلا حكاية بعدها.

دعمتنا بسيرتها لتكون غطاء لنا أمام الجهات الرسمية التي لا ترى إلا الأختام.. كانت تتابع، وتتصل، وتسأل، وتطمئن بصوت أمومي ذبحه الحنين: لا تخافوا.. الذي أسس فرق الهلال الأحمر النسائية الأولى في المسجد النبوي، لن يعجز عن تأسيس مركز ثقافي
ولأنها كانت رائدة رغم البعد الذي يأكل الروح، صرنا رائدين نتعكز على ذكراها.
وباسمها، وببركة دعائها الذي كان يأتينا من بعيد كغيمة يتيمة، أقمنا في مركز الإدريسي الثقافي التاريخي العشرات من الدورات الثقافية.. يا لها من ذكريات.. شارك بها المئات.. شباب يبحثون عن حرف ليكتبوا به مرثيتهم، وشابات يفتشن عن صوت ليصرخن به قهرهن.

كانت الدورات.. ورشة قصة قصيرة، دورة في التوثيق المجتمعي، أمسيات عن أدب المقاومة، تدريب على العمل التطوعي كما علمتنا هي بدمها لا بلسانها.. كنا نرى الفرح في العيون، ونسمع صدى اسمها في كل شهادة تقدير نوزعها كأننا نوزع نعوشا.. كان الحضور يظنون أنها بيننا، وما كانت إلا روحها تبكي في الزاوية..
كنا نقول: “هذه الدورات ببركة السيدة طيبة”، فيبتسمون ببلاهة، ولا يعرفون أننا نحن الذين نختنق بالبكاء لأنها ليست هنا لترى ثمار غرسها الذي صار حنظلا في حلوقنا.

تعلمت منها أن التطوع والمبادرة ليس نشاطا نضعه في السيرة الذاتية، بل وجع مزمن يسكن النخاع، سواء في الشأن الثقافي أو غيره…. أنها حملت المعونات المادية لبيوت الفقراء على كتفها المكسور، ثم صارت مسؤولة القسم النسائي في جمعية الخدمات حين كان المسؤولية جمرة، ثم عضوا مؤسسا في “إيواء” للمرضى النفسيين لأنها كانت طبيبة المجانين الذين كسرهم الواقع.. كانت تدخل حيث تخاف النساء من الدخول، إلى العتمة..إلى الوجع، وتقول بثبات الشهداء..المرأة نموذج فاعل وفعال…

خمسة وعشرون عاما وهي تمشي كل مغرب نحو المسجد النبوي بخطى أم تذهب لتطمئن على أطفالها.. لا لتصلي فقط، بل لتفرش السفر كأنها تفرش قلبها، لتنظم الصفوف كأنها تنظم جراح العالم، لتمنع إهدار النعمة كأنها تمنع إهدار عمرها.. كانت ترى الكميات التي ترمى فتبكي بحرقة الثكلى..السفر تحتاج مؤسسة ضخمة.
اليوم، تهدأ عشرات الدورات التي أقمناها، كأن القاعات ماتت بعدها.. تمضي الوجوه التي شاركت كأنها أشباح، ويبقى المقعد الفارغ الذي كان لها، فارغا كقلبي، باردا كقبر..
اسمها محفور في سجل المؤسسين الداعمين، لا لأنها كانت هنا بجسدها، بل لأنها كانت معنا رغم البعد بروحها التي لم تبرح المدينة.. لم تعطنا جدرانا نبني بها، لكنها أعطتنا جدارا نبكي عليه: سيرتها.
عرفت طيبة، فعرفت كيف يكون الإنسان وطنا ولو في البعيد، وكيف يكون الوطن منفى ولو كان قريبا.. كيف يكون الحزن نبيلا حين يترجم إلى دورة تفتح عقلا ثم تغلقه برحيلها، إلى اتصال يطمئن ثم ينقطع للأبد، إلى اسم يفتح بابا مغلقا ثم يوصد كل الأبواب بعدها.. عرفتها، فصارت أيامنا بعدها أقل ضوءا كقنديل انطفأ، وأكثر حنينا كجرح لا يريد أن يندمل.

فيا طيبة… يا بنت الشريف… لولاك ما تجرأنا على الحلم، ولولاك ما امتلأت دوراتنا بالمئات الذين صاروا اليوم أيتاما.. ولولاك ما عرفنا أن الدعم لا يقاس بالمسافة التي تقتل ولا بالمكاتب التي تنهار، بل بقلب يظل في المدينة حتى وهو يدفن خارجها..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى