قراءة في رواية نجيب عبد الرزاق التركي.. تقنية السرد في خطوات الأعمى

آزال الصباري *

طريقة جديدة، أسلوب مختلف، و مغامرة أخرى في كتابة الرواية، تحسب للكاتب الذي قدم طريقة سردية مختلفة.. وإن لاقت صدمة عند القارئ، إلا أنها تمثل عمل فيه جانب كبير من الدهشة والإعجاب عند القارئ الذي أعتاد على اللغة السردية المعروفة.

تتمثل تقنية التركي في رواية خطوات أعمى على تقليص الحدث السردي مقابل تكثيف لغة الحدث، وتعويض اللغة السردية المعتادة للأحداث باللغة الصورية التي تخاطب حواس القارئ وترسم الحدث بأبعاده الحسية المؤثرة بانزياح يكسر رتابة اللغة العادية ويحفز خيال القارئ،وكأنما يدعمه بجرعة ثبات عاطفية بدلا من ملاحقته للشخصيات و للأحداث والأمكنة والأزمنة.
وتعد رواية خطوات الأعمى مدهشة لغويا، ولا شك أن من يقرأ الرواية سيحتفظ ببعض تلك الملامح اللغوية المدهشة، ومنها:
“الوسواس لا يمنح هدنة، إن تجاهلت فكرة انجب غيرها، يتكاثر، يتفرع، كأنه ينجب غيرها، كأنه يعرف الطريق إلى خوفي قبل أن أصل أنا إليه”
في مقطع آخر يقول على لسان أحد أبطاله: ” نحن لانكره هذا العالم، نحن نحبه بطريقة تؤذينا، نقاتل لنثبت أننا أقويا، فنحسر في اللحظة التي نبدأ فيها القتال. “
وهكذا سيجد القارئ نفسه أمام دهشة اللغة وتجسيد الصورة وتراكيب الكلمات المبتكرة، فتجذبه متعة سردية مختلفة عن سابقتها.

اعتمد التركي على تقنية رسم اللوحات باستخدام التشبيهات والاستعارات المبتكرة التي تجعل القارئ “يرى” الرائحة أو “يلمس” الصوت.
كمشاعر ليان وهي تصف معاناتها مع الوساس وهي تقول: ” يوسف لك الآن لأن شيئا داخلي يوشك أن يغرق، وأخشى إن صمت ألا أعود، الوساس يسكن رأسي كمقيمٍ دائم، لا يطرق الباب. يمد مخالبة مباشرة إلى الفكرة، ويقضم الطمأنينة من منتصفها، كما تقضم التفاحة دون تردد. “

لكن لو نظرنا من منظور آخر لنصنف العمل السردي، سنجد أن التركي أغرق في اللغة الشاعرية المكثفة على حساب الوصف والمكان والزمان وترابط الأحداث.

أراد الكاتب أن يتنقل بنا بين مجموعة من المقتطفات الحكائية المكثفة بين ليان ويوسف وأسامة االتي لا شك أن القارئ سيميل إلى مواصلة القراءة محاولة منه لمعرفة قصة ليان ويوسف، وأسامة وإعجابا بتلك الصور والانزياحات المدهشة، لكن القارئ سيشعر مع ذلك بأنه يقفز قفزات غير مقنعة أو لنقل يتأرجح دون قصد منه وهو يبحث عن لغة سردية مكتملة، يسافر معها بين الأمكنة والأزمنة والأحداث.

إذن نحن أمام عمل سردي من نوع آخر، عمل يجذبك للمواصلة، ويستدعيك للمسائلة، يغريك، ويربكك، تصفق له، ثم تعود لتضع يدك على رأسك بحجة البحث عن أمور مفقودة.
على رأس تلك الأمور المفقودة يأتي الوصف، وصف الشخصيات، وصف المكان، وصف الزمان، ولأن سردية الوصف ضاعت بين شاعرية النص وتكثيف لغة الاحداث فقد كان المكان ضيقا يحرم القارئ من المتعة فبدلا أن يهرول القارئ متنقلا بين الأمكنة وجد نفسه يتنقل بين صفحات صغيرة فقدت صورة المكان، الصورة التي تجعل المكان بطلا من أبطال الرواية، بل كان ضيقا محصورا في البيت، العيادة.. البقالة.. السبور ماركت..لولا بعض الأوصاف الصغيرة، مثل سمع صوت ارتطام الباب الزجاجي.
وهكذا في وصف الشخصيات والزمان الذي تمثل بذكر أيام أو تاريخ معين، فلم نجد الزمان يركض مع الأحداث ويتنقل، فيشعر القارئ ببرده وحره وبطئه أو سرعة انقضائة، سوى ذلك الزمن الذي كان يجثم على صدر ليان فقد شعرنا به.

ثاني أمر مفقود كان الوضوح
تظل الرواية مرتبطة بخيط حكائي يجمع شتات الصو، كما تجمع حبات العقد، وينسج تتبع الأحداث، ويمتد ليمسك بيد الأبطال وأيدي القراء،
ولا ينفرط فيتشت القارئ، إن تقنية التركي المدهشة والتي تجعلك تعيد السطور لتقول يا الله من أين جئت بهذا الجمال، كان ينقصها هذا الخيط، بين الأحداث والوصف، خيط بين يوسف وليان، ليان وأسرتها، خيط واضح بين ليان والوساس.. خيط تلاحقه حواسنا وهي تتبع نمو كل حدث ونمو الأحداث وتطورها وتصاعدها.

ماذا أراد التركي أن يقوله من منطلق الواقع

يسلط التركي في سرده على قصة ليان ككل ويدير المرايا لكثير من الأبعاد التي تصدرها زوايا الواقع.
فنجده يسلط الضووء على البعد الأسري الاجتماعي، والذي تتصاعد منه حرائق القسوة واللامبالاة، والشتات، هذا البعد المؤثر بكل الشخصيات سلبا أو إيجابا، والذي يصنع الإنسان ويشكل جزء كبير من نجاحه أو فشله، سعادته أو تعاسته، لقد كان التركي بارعا بذلك فقد ضمن مايريد قوله على لسان أبطاله بجمل قصيرة مكثفة خاطفة يخبرنا عن كثير من الأمور:

سبب قسوة الأم الذي يأتي غالبا بعد التعلق المبالغ بالرجل، فلا تفكر سوى بحبها الذي خسرته، ثم لا تنتبه أن لديها وظيفة أخرى غير أن تكون زوجة، فتتجرد من حبها لإطفالها.

قسوة الأب: وتجاهله لابنته رغم مستواه المادي الذي كان مهيئا لأن يجعله أكثر استقرارا وحضورا وتفكيرا بماتعانية ابنته.

نظرة المجتمع للمرأة التي تتمثل بآلة للعمل مجردة المشاعر والأحاسيس،ونظرة المجتمع للأمراض النفسيين، التي تهيئهم للهروب من واقعهم إلى المجهول.

وبهذا يكون التركي قد حاكم المجتمع على لسان أبطاله بطريقته السردية الجديدة والأنيقة والمختلفة.

  • كاتبة وشاعرة يمنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى