الـ “دان الحضرمى” .. ثلاثية الشعر والموسيقى والغناء

معين برس:
بعيدا عن صخب الصراع السياسى والحروب، تعود الأضواء إلى المنجز الثقافى اليمنى عبر بوابة الإرث الفنى العريق «الدان الحضرمي»، الذى حظى مؤخراً بإدراجه على قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة الـ«يونسكو» للتراث الثقافى غير المادي. وفى ذلك تتويج لمسيرة فن شعبى يقدر تاريخه بآلاف السنين، ويُعد واحداً من أهم ركائز الهوية الحضرمية واليمنية الجامعة.
تسلم اليمن شهادة إدراج الملف على قائمة التراث العالمى من طرف المدير العام المساعد لليونسكو لقطاع الثقافة، أرنستو راميريز ، تقديرا لأحد أبرز الفنون الشعبية الشفهية التى يتميز بها شرق اليمن من خلال تبادل الأبيات الشعرية والإنشاد الارتجالي، ويشكّل جزءًا أصيلًا من الهوية الاجتماعية والثقافية.

يقول معمر الإرياني، وزير الإعلام والثقافة والسياحة اليمنى فى تصريحات خاصة لـ«الأهرام»، إن إدراج «اليونسكو» لملف «جلسة الدان الحضرمي»، يعتبر تسليطا للأضواء على الفن الأصيل الذى يجمع بين الشعر والموسيقى والغناء، ويختزن فى تفاصيله الذاكرة الجمعية، والعلاقات الاجتماعية، وروح المكان. ويضيف شارحا أن ذلك ثمرة جهد وطنى مشترك بين وزارة الثقافة، وفريق العمل الرائع لـ «مؤسسة حضرموت للثقافة» التى تولت إعداد ملف الترشيح، والسفير محمد جميح سفير اليمن لدى اليونسكو الذى كان له دور كبير وبارز .
ويؤكد الوزير أن الاعتراف الدولى يمثل خطوة مهمة فى مسار صون التراث الحضرمى على وجه الخصوص واليمنى بشكل عام، من محاولات الطمس والتشويه، ورسالة بأن اليمن، برغم الحرب والدمار والظروف الصعبة، لايزال حاضراً فى خريطة الثقافة العالمية بقيمه وإبداعاته وتراثه الضارب فى التاريخ . ويشير إلى استمرار دعم الحكومة اليمنية لجميع المبادرات الوطنية الرامية إلى حماية الموروث الثقافى اليمنى وتوثيقه وتعزيز حضوره على الساحة الدولية.
من جانبه، ثمن الدكتور محمد جميح مندوب اليمن الدائم لدى «اليونسكو» فى باريس القرار، معتبرا أن الدان الحضرمى يستحق عن جدارة هذا الإدراج بعد جهود استمرت لسنوات.
ويؤكد منير بن وبر، مدير ملف صون وترشيح «فن الدان» لدى «مؤسسة حضرموت للثقافة» أن المؤسسة عملت على إعداد ملف الترشيح، بالتعاون مع مجموعات من الممارسين لهذا الفن الذى يمثل جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع الحضرمي. كما حظى المشروع بدعم وتنسيق وإشراف فاعل من وزارة الإعلام والثقافة والسياحة وإسناد من البعثة اليمنية لدى «اليونسكو» خلال مختلف مراحل إعداد الملف واعتماده.ويضيف بن وبر أن ملف «الدان الحضرمي» يستهدف حماية التراث الفنى والاجتماعى العريق فى حضرموت، وهو تقليد يقوم على الشعر، الصوت، واللحن الشجي، ويشكّل فضاءً للحوار والتلاقى الثقافي.
ويرى مروان دماج، وزير الثقافة اليمنى السابق، والذى بدأ تقديم الملف إلى «اليونسكو» أن «الدان» يلعب دوراً مهما فى الهوية الوطنية ويمثل جزءا من الثقافة المعاصرة بفضل روعته ومهارة فنانيه إضافة إلى قيمته كدليل تاريخى على أصالة الثقافة والفن اليمني.
وفقا لمؤرخى الفن اليمني، فإن «الدان الحضرمي» موغل فى القدم نشأ وتطور فى أحضان «المجتمع الحضرمي»، لا سيما فى مناطق الوادى والصحراء. بدأ «الدان» كشكل من أشكال التعبير الاجتماعى والشعرى المرتجل، يُمارس فى تجمعات شعبية خاصة تُعرف بـ«المقايل» أو «السمر».
واعتمد «الدان» فى بداياته بشكل أساسى على الصوت البشرى والدندنة دون استخدام آلات موسيقية معقدة ، وتطور عبر القرون ليصبح قالباً فنياً متكاملاً يجمع بين الشعر والموسيقى والغناء، ويعكس روح المجتمع وقيمه وتطلعاته. تنوعت ألوانه وأشكاله لتشمل «الريض» و«الحيقي» و»الهبيش»، ولكل منها طابعه وإيقاعه الخاص.
وجلسة «الدان» ليست مجرد حفل غنائي، بل هى طقس اجتماعى وفنى متكامل له أصوله وقواعده، ويرتكز الأداء على عنصرين أساسيين: الشاعر والمغنى أو مجموعة المغنين، كما يتميز الفن بقدرة الشعراء على ارتجال القصائد فى لحظة الجلسة، والتى غالباً ما تحمل رسائل عاطفية، اجتماعية، أو حكما.
يقوم المغنى بحفظ هذه الأبيات المرتجلة وتكرارها بلحن مميز، بمساعدة شخص يُعرف بـ«الملقِّن» الذى يردد خلف الشاعر لضمان حفظ الأبيات ونقلها بسلاسة. يتميز الإيقاع بترديد لازمة «يا دان» بشكل متواصل، مما يمنح الفن هويته السمعية الفريدة. وفى العصر الحديث، أُدخلت آلات طربية بسيطة كالعود والطبل، لكن الجوهر الصوتى والشعرى ظل هو الأساس.
ويعالج مؤلفو الأغانى فى أشعارهم، بالإضافة الى الغزل والمديح والفخر والتعبير عن العواطف الأخرى، مواضيع سياسية واجتماعية كما يطرقون مشاكل القبائل ومايحدث من نزاع فيما بينهم إلى غير ذلك من الأغراض العامة. وحظى «الدان الحضرمي» بفرسان حملوا لواءه إلى العالمية، من أبرزهم أبوبكر سالم بلفقيه، والذى أسهم فى تطويره وتقديمه بقالب فنى متجدد دون المساس بجوهره الأصيل ، وأيضا محمد جمعة خان له بصمات واضحة فى الحفاظ على هذا التراث وتوثيقه، وعيدروس بن عبدالقادر من الأصوات البارزة التى ساهمت فى إثراء ساحة الدان الحضرمي.
ويؤكد عبد العزيز جابر، من أبناء حضرموت، أن «الدان» يواجه تحديات منها تراجع الاهتمام بالفنون الشعبية الأصيلة بين جيل الشباب الذين يعاصرون انتشار الأغانى السريعة ووسائل التواصل الحديثة. وذلك غير غياب التوثيق الشامل العلمى لجلسات الدان وألحانه وشعره ، فضلا عن الظروف السياسية والاقتصادية فى اليمن والتى أثرت سلباً على النشاطات الثقافية والفنية.
- صحيفة الأهرام



