من لا شيء لعادل بن هرهرة.. شظايا الهوية والثقافة

معين برس- كتب/ سامي الشاطبي:

رغم بعده عن المشهد الثقافي العربي الا ان مؤلفاته تحقق نجاحات كبرى فمؤلفاته وصلت الى قائمة الكتب الاكثر مبيعا على موقع امازون ..

كتاب من لا شيء للكاتب عادل بن هرهرة ليس مجرد سيرة ذاتية عادية بل هو رحلة استكشاف جريئة ومؤلمة بين ثلاث قارات وثقافات متضاربة ليتحول السرد الشخصي إلى شهادة حية على قضايا الهوية والاندماج والعنصرية التي تواجه المولدين ذوي الأصول المختلطة.. يضع بن هرهرة حياته تحت المجهر ليقدم إجابة عميقة عن سؤال الهوية الوجودي تحت شعار يمثل جوهر كفاحه..
يبدأ بن هرهرة قصته من نقطة الصفر من مولده في أديس أبابا لأم مسيحية قبطية شابة (15 عاما) وأب يمني ثري من حضرموت يكبرها سنا.. هذه النشأة المتناقضة خلقت لديه هوية وصفها بـ لوحة الفسيفساء مزيج روحاني وأيديولوجي وفلسفي وثقافي.
في الفصول الأولى يسلط الضوء على جرح الهجر القسري من الأم المراهقة التي سلمته لأبيه وهو ما خلف في نفسه شعورا ظل يطارده” مازال الطفل الذي بداخلي يتألم ويتمنى لو أنها قدمت التضحية الأكثر نبلا واحتفظت بي وربتني وأحبتني…. بينما أثرت علي طوال حياتي مشاعر الهجر ظل الذنب يطاردها هي أيضا”.
أما الأب فكان شخصية متفجرة التناقضات الذي اختار له اسم عاد كنوع من التمرد على التقاليد والذي انتهى به الأمر بمفارقة مأساوية بعد وفاته حين دفن جسده بين المقبرتين لرفض المسلمين والمسيحيين دفنه.
يتعمق الكاتب في المشهد المأساوي الذي سبقت به نهايته المدوية حيث تحول الأب من رجل أعمال إلى مدمن للكحول يواجه تليف الكبد هربا من الفقدان المالي والاجتماعي.. يذكر الكاتب مشيرا إلى تفاقم شرب الأب” في الأيام التالية من حياة أبي في أوائل الخمسينيات مع أنه كان بيشرب كتير ولكن استمرت وتيرة شربه للكحوليات في إزدياد…. كان يقضي جزءا كبيرا من اليوم في البانيو بيشرب”.
بن هرهرة لا يركز فقط على صراع الأب بل يركز على معاناة الأم التي تزامنت ولادته مع وفاة جدته في معضلة ضخمة من العادات والدين.. وإزاء هذا الكم من الفقد يتبنى الكاتب رؤية ناضجة للتعافي” الحزن مثل المحيط يأتي كالأمواج ينحسر ويفيض.. أحيانا تكون المياه هادئة وأحيانا تكتسحك.. كل ما علينا عمله هو تعلم السباحة”.
لم تكن حياة بن هرهرة مجرد تتابع للأعوام بل كانت رحلة طويلة مليئة بالمغامرات على متن الزمن حيث توالت التحولات العميقة وتجسدت فيه قصة البقاء والصعود من “اللاشيء”.
ولد في أديس أبابا عام 1962 طفل يمني الأصل سرعان ما تتشظى اسرته فيلوذ بالعيش في كنف الأب وزوجته الثانية رقية بعد انفصاله عن الأم في 1963… تكتمل فصول اليتم بوفاة والده المفاجئة في 1967.. السنوات بين 1970 و 1978 لم تكن أقل اضطرابا فبعد أن أنقذته عاطفة خالته من الضياع وجد نفسه بين أسوار مدرسة الكتاب المقدس (1973) وسجون السياسة حيث اقتيد ثلاث مرات بين 1976 و 1977 بسبب انخراطه في تيار الحزب الشيوعي ليكون الختام فدية لهجرة قسرية إلى اليمن عام 1978 أرض أجداده التي لم يعرفها.
ويمضي بن هرهرة صاعدا في سرده حيث ينتقل السرد ببراعة إلى مرحلة الصقل في اليمن حيث أتم بن هرهرة دراسته الثانوية بين تعز والحديدة (1978-1980) ليبدأ حياته العملية مبكرا في وكالة المعونة الأمريكية (USAID) في صنعاء (1981).
في عام 1984 ينطلق نحو أفق جديد بالهجرة إلى الولايات المتحدة لدراسة علوم الحاسبات… وبينما كان العود أحمد بالرجوع إلى اليمن للعمل في قطاع الغاز والبترول عام 1993 كاد القدر ان يبتلع حياته إذ نجا بأعجوبة من أتون الحرب الأهلية في 1994 قبل أن يرسو بزواجه من امرأة من جنوب اليمن في 1995.
يستمر السرد في حبك خيوط التحولات الجذرية فمن زواج الإقامة في أمريكا (1985) إلى دوامة المشاكل القانونية والسجن والسعي المضني للجوء السياسي… لكن الإرادة كانت له ملاذا ففي 1996 رست سفينته أخيرا في كندا حيث ارتدى رداء الأبوة بولادة ابنته الأولى وتسلح بالعلم بحصوله على ماجستير في إدارة الأعمال (2006)… بلغت الرحلة ذروتها العاطفية بلقاء والدته في 2010 وتوجت روحه بالتحدي بتحقيق إنجازات شخصية خارقة مثل خوض 21 ماراثونا عالميا وتسلق جبل كليمنجارو (2017) لينهي السرد بإهداء حصاد تجربته الإنسانية بنشر ثلاثية كتبه عام 2022.
الكاتب والذي نشأ بين دراسة الإسلام واليهودية والمسيحية وحمل جواز سفر يمني واستقر أخيرا في كندا يعترف بأن حياته شكلتها هذه التنقلات الحادة “معيشتي وتنقلي بين ثلاث قارات مختلفة كانت السبب في تكوين الشخص الذي أصبحت عليه اليوم – الرجل ذاته متأثرا وممثلا االخلط ما بين ثقافات أفريقية عربية وأمريكية وكندية”.
إن كتاب من لا شيء هو صرخة في وجه التنميط واعتراف بقوة الصمود في وجه الظروف القاسية التي جعلته يتحول من طفل بلا مأوى ويتيم إلى كاتب وفاعل.. ينجح بن هرهرة في أن يذكر القارئ بأن الحياة بتعقيداتها وقسوتها هي أيضا أرض لـ انتصارات مبهرة.
الكتاب دعوة مفتوحة لنراجع مفاهيمنا حول الانتماء والدين والعرق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى