بين مشرط الشامسي وقصيدة المهري.. استوصاء شعري

معين برس- كتب/ سامي الشاطبي:

في البدء كانت الكلمة:
قلة هم الذين تتسلط القلوب عليهم أضواءها، فتراهم بهجة الحياة ونورها. ومن تلك القلة بلا ريب، الطبيب العربي المتواضع علي راشد الشامسي، الذي بأعماله تجاه المبدعين، يذكّرنا بأسلافه من الأطباء اليمنيين الذين كرّسوا جزءا من وقتهم لرعاية المبدعين في شتى الأرجاء.
شعرا ودواء:
يزدان سجلّ الدكتور علي راشد الشامسي بمكانة سامقة بين أعلام أطباء القلب في العالم العربي، فلقد توشّح صدره بجملة وافرة من الجوائز التقديرية، وتوّج في عام 2013م بالصدارة في المؤتمر الفرانكفوني لأمراض القلب والقسطرة في عاصمة النور باريس، ناهيك عن ابتكاراته لجهاز طبيّ يعدّ طوق نجاة لمرضى القلب، حاصدا بذلك المزيد من التكريم. وبجانبه، يتربع الشاعر عيسى بن سالمين المهري على عرش الشعر الشعبيّ الأصيل، تتبدى له صولات وجولات في فضاءاته الرحبة، وخاصة في بحور الشعر الغنائيّ الذي أتقن فنونه.

رسالة الشاعر:
د. علي… أيها الطبيب الأطيب الأصيل، يا من تداوي الأرواح قبل الأجساد، هل تدرك أن تطبيب قلب الشاعر السبأيّ الأصيل عيسى بن سالمين المهري لم يمنحه وحده العافية، بل وهب حياتنا المكدسة بالماديات، والمحاطة بالأسمنت والخرسان، فرصة فريدة لاستمرار تدفق رحيق المحبة الخالص؟

د. علي… هل تدرك عظيم القيمة والأثر حين تضع يدك الحانية، بمهارة ورفق، على قلب شاعر صدح بالمحبة، وتغنّى للمدن المنسية التي طوتها غياهب النسيان، وللأشياء النفيسة التي فقدناها رغما عنّا ؟ إنّ فعلك هذا يتجاوز الطبّ ليلامس جوهر الإنسانية والجمال.

نعم، ربما أنت كطبيب، تتحدّد دائرة اهتمامك بالإبرة والمشرط والقسطرة وغرفة العمليات، فربما لا تدرك عظم قيمة مساهمتك في استمرار الدفق الإنساني الدافئ وسط ركام الخرس الحضاري الذي نعانيه. ذلك أنك كطبيب، تنصبّ عنايتك على نجاح العملية واستمرار القلب النابض، سواء كان لشاعر ينشر ألوان المحبة والصفاء، أو لإنسان عاديّ يعبر من هنا ليصل إلى هناك.
إنك بهذا العمل تكسب الحياة بعضا من ألوان المحبة التي صرنا نفتقدها مع كل تلك التكنولوجيا الجارفة. إنك تمنح الوجود وجوده الحقيقيّ النابض، لا كما تمنح مدن الأسمنت والجمود الوجود مرآة زائفة تخفي وراءها خواء الروح.
لقد سبقت روح الشاعر عيسى بن المهري جسده إلى محراب جراحتك، فقبل أن تطأ قدماه عتبة غرفة عملياتك، استوصاك شعرا، نقش في فؤاده، ليناجي يديك بالرفق، ويستلهم منك الأمل، جاعلا من أبياته درعا شفافا يحيط به، ومن كلماته رجاء خفيا أن تعيد لقلبه عزف الحياة.
يالشّامسي يومك درست وتعلمت
والله عطا لك دون غيرك بالاطباب
امانه يا دكتور لا تجرح الصمت
ملف حزني ما تمرره الابواب
نظر الى تلك الزاوية غير المنظورة من حيواتنا وتابع مسترسلا
دكتور علي دامك طبيب وتميّزت
تفتح قلوب وتكشف اسرار الالباب
حافظ على سر في هـ لقلب لو شفت
ملف وسرار ورى ستر وحجاب
لكنه لم ينسى ان لمستك الانسانية وان حملت طلبا
دكتور لو انك قدرت وتمكّنت
رمم جدار القلب من حالتي ذاب
وما بين فيض العرفان للمسة شافية، ورقيق الطلب ليد حانية، يتبدّى الشاعر الإنسان في أروع صفاته وأبهى تجلياته. ينكشف الستار عن ذلك المكنون العذب في الصدر، والخابئ الرفيق في النفس، ليصوّر مشاعره بصدق شفاف، مجسّدا قيمة الحياة والأمل في أبهى صورها.
قاسيت في الماضي عليه وتألمت
واحس في قلبي تغازيز مخلاب
ان الدمع ملازم كما الرفيق الملتصق
والدمع لازمني من العام لازلت
في حالتي حاضر من العام ماغاب
لكن ما دام ..دام الحزن مكتوب في صفحة الكمت
ياكثر صفحات الصبر بين الاحباب
فلا أحد سوى الطبيب العربيّ الأصيل، علي راشد الشامسي، بلمسته الشافية، من يمنحه الدفق والحياة والانطلاق من جديد.
ولعلّ خروج شاعرنا عيسى بن سالمين المهري بالسلامة من غرفة عملياتك، متوجا بالصحة والعافية مؤخرا، لهو مؤشر يبعث في النفس الأمل؛ مؤشر على أن العواطف لا تزال تدفق، والقلوب عامرة بالعطاء، والبلاد ممتلئة بالألفة التي كنا على وشك أن نفتقدها في زحام مدن الأسمنت الصماء.

مماثلة تجديدية:
ويطلّ السؤال جليّا… ما هو تأثير هذه العملية الفاصلة على روح الشاعر عيسى بن سالمين المهري وشعره؟
لتأتي الإجابة مرصّعة بالشعر الجميل، فقد أجاب المهري عن هذا التساؤل العميق بقصيدته التي جسّدت إحدى أبدع حالات المماثلة الإبداعية والتجديدية، محوّلا الألم إلى نور، والتجربة إلى ابداع خالد….هاكم نص القصيدة
يالشّامسي يومك درست وتعلمت…
والله عطا لك دون غيرك بالاطباب..
امانه يادكتور لا تجرح الصمت..
ملف حزني ما تمرره الابواب

دكتور علي دامك طبيب وتميّزت
تفتح قلوب وتكشف اسرار الالباب
حافظ على سر في هـ لقلب لو شفت
ملف وسرار ورى ستر وحجاب…
دكتور لو انك قدرت وتمكّنت
رمم جدار القلب من حالتي ذاب..
قاسيت في الماضي عليه وتألمت
واحس في قلبي تغازيز مخلاب..
والدمع لازمني من العام لازلت..
في حالتي حاضر من العام ماغاب..

دام الحزن مكتوب في صفحة الكمت
ياكثر صفحات الصبر بين الاحباب
عجزت اجامل رغبة الناس والوقت..
والصمت مايغني عن البوح لو شاب
وانا على ضيق الزوايا تجلّست..
صابر بلا شكوى ولا لوم وعتاب
وخطّيت في قلبي رواية ودوّنت
اجمل عناوين الصبر بين الاحباب
عالم شعري جميل:
وبختام هذه القصيدة العصماء، التي تكللت بأنغام خالدة عبر حنجرة أحد الفنانين، درجا على عادة غناء الكثير من الفنانين لأغلب إنتاجه من الشعر الغنائي الخالد، يجدر بنا التوقف مليّا عند مقارنة بديعة بين الطبيب والشاعر. فكلاهما يعدان صوتا مدويا للإنسانية، دعامة راسخة للارتقاء الإنساني، وقائمين مجتهدين لجعل العالم مكانا أفضل. كلاّ بطريقته: فالشامسي بلمساته الشافية التي تحيي قلوب الشعراء، والشاعر عيسى بن سالمين المهري بقصائده التي تتغنى بها أرجاء البلاد العربية، منيرا دروب القلوب بجمال الكلمة وصدق الإحساس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى