رواية “الدِّينا” لنهى الكازمي.. هويات مبعثرة في زمن الحرب

سامي الشاطبي
سفرك في سيارة النقل التي تسمى باليمن”دينّا” على طريق يمني وعر كما رحلة القراءة في رواية “الدِّينا” فكلاهما يلقي بالقارئ والمسافر على حد سواء في قلب واقع مضطرب.. الفارق الجوهري ان طريق سيارة النقل عبارة عن مطبات وعراقيل فيما طريق رواية “الدِّينا” طريق مفتوح مغمس بدم اليمنيين والالمهم !
تبدأ رواية “الدِّينا” للكاتبة نهى الكازمي بفقرة معبرة بليغة عن شتات الغربة وذلك في اطار حوار بين الام والابنة بلقيس ..حوار يبرز الشرخ الناتج عن الحرب والشتات. “– تعرفين يا بلقيس لم أجد أنك تشبهين بلقيس لا أعرف.. أشعر أنك تشبهين غامضة بلا ملامح أنت ولدت هنا لكن أباك أصرّ على هذا الاسم الذي سيبنيك لصيقة باليمن…… زواجك كاسمك غير مناسب. أنت ولدت هنا لا تعرفين شيئا عن بلاد أمك وأبيك. أنت يمنية بالاسم فقط…تقصدين بلادي.؟…. بل بلاد أبيك وأمك. أنت لا تنتمين إلى هناك لتلك لم تذهبي إلى سقطرى ليت أباك أحزنني بذهابك لكنه لا يستمع لي فيما إذا تحدّثنا عن بلادنا”.
تعدّ هذه الرواية والصادرة عن مؤسسة أروقة بالقاهرة في طبعتها الأولى لعام 2024 باكورة أعمالها الروائية.. والملفت ان تلك باكورتها نجحت في ابراز القضايا الحساسة والمسكوت عنها في المجتمع اليمني الذي مزقته الحرب بشيء من الحنين والجراءة والخوف.
تناولت الكازمي بعمق تأثير الحرب الدائرة منذ عام 2015 على الهويات الفردية والجماعية وفككت البعد الأيديولوجي للمجتمع من خلال شخصيات الرواية التي عكست التباينات الفكرية التي لا تزال تغذي الصراع السياسي..فشخصيات الرواية تتميز بكونها حية تتشكل وتتطور مع الأحداث دون ان تتقيد بتصنيف نمطي…اهمهم برأيي.. بلقيس (هيلين) الابنة التي تواجه صراعا في تحديد هويتها وانتمائها..يوسف..الوالد..علي عكوش..تماضر ..تعكس حنينا وارتباطا بالوطن الأصلي..وشخصيات اخرى سنأت على تفصيلها في في هذه القراءة الانطباعية .
الى قلب الرواية:
ركزت “الدِّينا” بشكل أساسي على قضية العنصرية والتمييز كما يتضح من روح عنوان “من هناك وليس من هنا” التي وردت في سياق الأحداث. تصوّر الرواية كيف تمارس “الأنا الطارئة والمشبعة بالمكان” سلطتها على الآخر بناء على اختلاف الاصول والانتماء.. كما تناولت موضوعات بناء الهويات ومفاهيم الوطن والانتماء في ظل الحرب مسلطة الضوء على التغيرات الديموغرافية التي أحدثها الصراع جاعلة بنت الكازمي من المكان نفسه محورا للصراع…
مدونة مثخنة:
تعدّ المدونة المشتركة التي كتبها الأب والأم بمثابة قلب الرواية النابض ونقطة ارتكازها الأساسية.. تبدأ رحلة البطلة -ومعها القارئ- بالدهشة من فكرة مشاركة شخصين في كتابة مدونة واحدة وهو ما يثير فضولها ويدفعها للانغماس في قراءتها.
من خلال صفحات هذه المدونة تخوض الرواية في عباب محاورها الرئيسية وبفضلها- إلى جانب النقلات السردية الأخرى- تتشابك خيوطها وتتعمق شخصياتها لتصبح المدونة من مجرد أداة سردية الى ذاكرة حية تربط القارئ بأصول القصة وتفاصيلها..تتركز تلك المحاور في الاتي التمييز والعنصرية واثار الحرب والتغيير الديمغرافية الناتجة.
التمييز والعنصرية:
تعد هذه القضية محورا رئيسيا في الرواية حيث تبرز الكاتبة أشكال التمييز القائمة على اختلاف المنشأ… فمن خلال حوار “الباهش” تتكشف أبعاد هذه القضية بشكل صريح ومؤلم.. ضعوا في الاعتبار بان كلامه أي الباهش لا يعكس وجهة نظره الشخصية فقط بل يمثل صوتا للمجتمع الذي يرى في الزواج من اقلية “الخادمة” عيبا اجتماعيا لا يغتفر..”نحن صح نعيش مع الخدام نجلس معهم ناكل معهم يجاورونا نضحك نلعب معهم لكن ما نتزوج منهم علشان كذا أنا ما تزوجت نعيم لأنها خادمة بنت خادمة ولأني جيعان حلف أهلي عليّ يمين لو تزوجتها إنّي سأطرد من البيت وينسوا إني أنا ابنهم الصدق الصدق في قرارة نفسي أنا خفت من كلام الناس مش من كلام أهلي خفت يقولوا على ابني بعدين ابن الخادمة يمكن بكرة بكرة أمه ويكرهني بعدين لمّا يكبر أو تكبر ولا يمكن حد يناسبنا.”
صوت الرياح:
كما الرسام رسمت الرواية ملامح من الآثار العميقة للحرب على النسيج الاجتماعي بشيء من الدقة احيانا وبشيء من المواربة في احيان اخرى…ان تناول تلك النقطة اراه امرا يحتاج لعشرات الصفحات لكن ساكتفي بإيراد فقرة لخصت فيه الاثار الدامية لتاثيرات الحرب على لسان البطلة اذ نجد المشهد الذي يلخص الخوف والترقب الذي أصبح جزءا من الحياة اليومية” لحظات وقفت الحياة في فمي أتصور نفسي وأولادي وزوجي موتى على قارعة الطريق أراقب المرأة الأمامية..باهتمام لفتتني المرأة الجالسة بجانب تماضر صامتة..مستسلمة لقدرها هادئة لا أحد يتحدث كلنا نمعن في الطريق لا شيء سوى صوت الرياح…”
النواتج:
الحرب والعنصرية ادت الى نواتج ..تناولتها بكثير من التفصيل ..من هذه النواتج اضطراب الهوية الوطنية وتزعزع الانتماء حيث استكشفت الرواية كيف تتشكل وتتغير مفاهيم الهوية والانتماء في ظل الصراعات…حاولت إعادة تعريف مفهوم الوطن في ظل القذائف.. لقد كان من السمات البارزة والجديدة في الرواية اليمنية بشكل عام تناولها لمحور الآثار الناتجة عن الحرب وتحديدا ما يتعلق بالتغيير الديموغرافي. حيث أبرزت الرواية التحولات السكانية التي أفرزتها الحرب وتأثيرها على المجتمع..كيف فقد ابطال روايتها بلدهم..وكيف فقدت الكاتبة نفسها بلدها في زحام الحرب ورماد الرصاص.
بلقيس أم هيلين:
إن تسمية الابنة في الرواية بـ “بلقيس” تحمل دلالة عميقة حيث تربطها مباشرة بالملكة اليمنية التاريخية رمز الحكمة والعدل.. هذا الاختيار ليس عشوائيا بل هو إشارة واضحة إلى حاجة المجتمع اليمني الماسة للعدل والحكم الرشيد في ظل تنامي الصراعات ..فكل يمني يتوق إلى استعادة حكم الملكة بلقيس العادل الذي يمثل طوق نجاة من الفوضى التي أفرزتها الحرب.
من جانب ثمة تسمية لبلقيس تتمثل في هيلين .. اسم “هيلين” يعني “النور”أو “الضوء”..وهو اسم يعكس جانبا من جوانب الحداثة والتغريب في ان معا.. باعتقادي هي تسمية هدفت من خلالها الكاتبة النظر بين ماضي بلقيس ومستقبل هيلين المغتربة الغريب.
اشكالات:
ثمة ملاحظة في الرواية وهي في الحوارات فرغم تماسكها السردي الا ان ثمة ملاحظة تتمثل في ان صياغة بعض الحوارات باللغة الفصحي فيما بعض الحوارات الاخرى بالعامية او الوسط..ثمة اختلال كان بامكان الكاتبة معالجته بجعل الحوارات متناغمة ..او بتوحيد اللغة..
واخيرا..ان تلك المدونة السحرية التي كشفت كل تلك العوالم المخيفة والمروعة قذفت بالبطلة الى التفكير مليا “قلّبت صفحات المدونة لا أعرف من سيكتب السطور القادمة أمي أم أبي أحداث لم أتوقع أنني عايشتها هل أنا حقا على صواب هل هذا شكل الحياة التي أعتزم أن أعيشها هل سأوقع العقد وأسافر لأصور اليمن ماذا سأصور وأي عدسة سأختار! مازالت أمي تنتظر وصول أبي وأبي في الطريق يجاهد ليصل إلى عدن.”
ان الأمر حقا مروع..ان يحيا ابطال هذه الرواية ليشهدوا كل هذا العبث..تفضلوا لقد وصلت “دِّينا” نهى الكازمي الى اخر الطريق ..
لا تخدعنكم نهى فاخر الطريق ما هو الا بداية الطريق!




